تخطّي إلى المحتويات
نادي دبي للصحافةDeloitte

الإعلام العربي في عصر الذكاء الاصطناعي

تمهيد – نادي دبي للصحافة

معالي منى غانم المرّيمعالي منى غانم المرّينائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام رئيسة نادي دبي للصحافة

يدخل الإعلام مرحلة جديدة تعيد رسم أساليب إنتاج المحتوى وتوزيعه واستهلاكه، وتفتح أمام المؤسسات فرصاً واسعة للنمو والتطوير، وتطرح في الوقت نفسه أسئلة عميقة في المهنة والقيمة والثقة ومستقبل الكفاءات الإعلامية.

ويأتي الذكاء الاصطناعي في قلب هذا التحول، بعد أن صار حاضراً في مختلف مراحل العمل الإعلامي؛ من توليد الأفكار وصناعة المحتوى وتطويره، إلى تحليل الجمهور وتخصيص التجارب وتوسيع نطاق الوصول، إلى ابتكار نماذج جديدة للعوائد وإعادة صياغة توقعات الجمهور العربي تجاه ما يستهلكه من مواد إعلامية.

ومع اتساع استخدام هذه التقنيات وتسارع انتشارها، لم تعد القدرة على الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي في ذاتها مصدراً كافياً للتميز؛ فكلما تقاربت الأدوات المتاحة للمؤسسات، ازدادت أهمية ما لا يُنسخ بسهولة: المحتوى الأصيل، والحقوق الفكرية، والأرشيفات، والبيانات، والخبرة المتراكمة، والعلاقة مع الجمهور، والثقة التي تُبنى عبر سنوات طويلة من العمل المهني.

ومن هذه الرؤية يصدر نادي دبي للصحافة تقرير «الإعلام العربي في عصر الذكاء الاصطناعي»، ضمن جهد رائد على مستوى المنطقة، ليقدّم قراءة استراتيجية للتحولات التي يشهدها القطاع من داخل بيئتنا الإعلامية العربية، استناداً إلى واقع مؤسساتها وأسواقها وجمهورها. وفي ظل تقارب الأدوات وإتاحتها للجميع، يطرح التقرير سؤالاً جوهرياً: أين يكمن الفارق التنافسي بين مؤسسة وأخرى؟

يتناول التقرير هذا التحول في أربعة مجالات رئيسية: الفيديو، والمحتوى الصوتي، والألعاب الإلكترونية، والاتصالات الاستراتيجية والعلاقات العامة. ويتتبع أثر الذكاء الاصطناعي في الإنتاج والتوزيع وتحقيق العوائد، ويرصد التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي المساعد (Agentic AI) والوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي (Synthetic Media)، إلى جانب القضايا التنظيمية والتحولات التي تمس المهارات والكفاءات ومستقبل العمل الإعلامي.

وفي هذا المشهد المتغير تكتسب اللغة العربية أهمية استراتيجية متزايدة؛ فهي وعاء للمعرفة والهوية والثقافة، وتحمل في تنوعها اللغوي ولهجاتها وسياقاتها المحلية ثروة من الدلالات لا تختزلها القدرة على توليد نص عربي سليم. فالنماذج العالمية، وإن أتقنت الفصحى، تعجز عن استيعاب النبرة والدلالات الثقافية التي يدركها ابن المنطقة بالسليقة. وتكمن الفرصة أمام المؤسسات العربية في امتلاك المحتوى والسياق والخبرة والبيانات التي تعكس واقع مجتمعاتها، وتمنح التقنيات قدرة أدق على فهم جمهور المنطقة والتفاعل معه.

ولا يقل عنصر الثقة أهمية عن التكنولوجيا نفسها؛ ففي بيئة يتسع فيها إنتاج النصوص والصور والأصوات المولَّدة رقمياً، تصير المصداقية أصلاً مؤسسياً تتزايد قيمته. ويترتب على ذلك تعزيز معايير التحقق، وحماية الحقوق، ووضع أطر واضحة لاستخدام الصور والأصوات والهويات البشرية. والصوت في منطقتنا يحمل هوية وذاكرة، فيتأكد بذلك صون الأصول البشرية من الاستنساخ غير المأذون، بما يضمن استمرار الابتكار في بيئة مسؤولة تحفظ مكانة الإنسان وحقوقه.

ويمتد أثر التحول إلى غرف الأخبار والاستوديوهات والمؤسسات التعليمية، وإلى طبيعة الوظائف الإعلامية والمهارات المطلوبة؛ فالأتمتة ستعيد توزيع الأدوار، وستتراجع أهمية بعض المهام التقليدية، في مقابل نمو الحاجة إلى مهارات تجمع بين المعرفة الإعلامية والقدرة التقنية والحكم التحريري والقدرة على السرد الفعّال والتفكير النقدي والإبداع والأصالة والمنظور المتميز. ويظل الشباب وصنّاع المحتوى في قلب هذا المشهد؛ فإعادة تشكيل أساليب عمل الصحفيين والمنتجين والمبدعين تفتح أمامهم آفاقاً جديدة للتعلم والتجربة واكتساب قدرات غير مسبوقة. ومن هنا تبرز مسؤولية المؤسسات في إعداد جيل قادر على العمل مع هذه الأدوات، وقيادة استخدامها، وتطوير قيم جديدة من خلالها.

وفي دبي، التي جعلت من استشراف المستقبل وتبنّي التكنولوجيا ركيزتين أساسيتين في مسيرتها التنموية، ننظر إلى هذا التحول فرصةً للإسهام في صياغة مستقبل الإعلام العربي، وتعزيز حضوره في اقتصاد المعرفة، وتمكين مؤسساته من بناء نماذج أقدر على المنافسة والاستدامة.

ونأمل أن يشكل هذا التقرير وثيقة عمل أمام القيادات والممارسين وصنّاع السياسات، وأن يفتح نقاشاً أعمق في القرارات التي ينبغي اتخاذها اليوم؛ أين نستثمر؟ وما الذي نؤتمته؟ وما الذي نطوره؟ وما الأصول التي ينبغي أن نحميها ونضاعف قيمتها؟ فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بكمية التقنيات التي نستخدمها، بل بقدرتنا على تحويلها إلى معرفة وقيمة وتأثير، وبما نملكه من محتوى موثوق وحقوق وخبرة وهوية وثقة. ومن هنا يبدأ موقع الإعلام العربي في عصر الذكاء الاصطناعي؛ من قدرته على صناعة قيمته بنفسه، والمشاركة الفاعلة في صياغة مستقبل هذه الصناعة وقواعدها واتجاهاتها.

تمهيد – ديلويت

إيمانويل دوروإيمانويل دوروشريك، قطاع الإعلام والترفيه ديلويت الشرق الأوسط

شهدت النقاشات مع قادة قطاع الإعلام حول الذكاء الاصطناعي، على مدى السنوات القليلة الماضية، تحوّلاً ملموساً؛ فقد انصبّ التركيز في البداية على التجارب والتطبيقات الفردية، ثم سرعان ما اتّسع إلى نقاشٍ أشمل حول كيفية إحداث نقلةٍ جذرية في بنية المؤسسات الإعلامية.

ويكتسب توقيت هذا التحوّل أهميةً بالغة؛ فالذكاء الاصطناعي يمضي في تقدّمه وتطوّره في وقتٍ تتغيّر فيه المقوّمات الأساسية لصناعة الإعلام نفسها، إذ تتّسم هذه المرحلة بتشتّت فئات الجمهور، وتعاظم أحجام المحتوى، وتبدّل المعادلات الاقتصادية لصناعة ذلك المحتوى وتوزيعه وتحقيق العوائد التجارية منه.

ونحن ندخل الآن حقبةً جديدة في مسيرة صناعة الإعلام؛ فإذا كان الذكاء الاصطناعي التوليدي قد وسّع آفاق ما يستطيع الأفراد ابتكاره وصناعته، فإنّ الذكاء الاصطناعي المساعد بات يتجاوز الحدود التقليدية بقدرته على تنسيق الأنشطة وخطوات سير العمل في أقسام المؤسسة الإعلامية جميعها. ومع نضج هذه القدرات، ينتقل الذكاء الاصطناعي من دعم المهامّ الفردية إلى تشكيل طبقةٍ أفقية متكاملة تمتدّ على سلسلة القيمة الإعلامية بأكملها.

ويخلق هذا التحوّل فرصاً كبيرة، غير أنه يطرح على إدارات قطاع الإعلام تساؤلاً جوهرياً: أين تكمن القيمة الحقيقية للإعلام في ظلّ ما أتاحته التقنيات المتقدّمة من سهولةٍ في صناعة المحتوى وتوليده؟

وتتّجه غالبية الإجابات، بطبيعة الحال، نحو أصالة المحتوى والموثوقية الإعلامية؛ فالثقة في المصدر، واليقين بكلّ ما هو حقيقي، وامتلاك رؤيةٍ تحريرية سديدة، وتوفّر الإبداع البشري المتميّز، تغدو عوامل أشدّ أهميةً في عالمٍ يُنتَج فيه المحتوى المُولَّد اصطناعياً على نطاقٍ واسع. ومن ثمّ يقوم مستقبل الإعلام على الدمج الذكي بين التكنولوجيا وبين المزايا والمقوّمات التي لا تزال فئات الجمهور تقدّرها وتثمّنها قبل أيّ شيءٍ آخر، لا على مجرّد إنتاج المزيد من الموادّ بالذكاء الاصطناعي.

ولا يعني هذا أنّ على المؤسسات جميعها أن تتحرّك بالوتيرة نفسها؛ فمراحل التطوّر التكنولوجي تتطلّب اتّزاناً، وهي تكافئ الاستثمار المنضبط المنهجي كما تكافئ السرعة تماماً. على أنّ الانتظار حتى يستقرّ مشهد التكنولوجيا يحمل مخاطره بدوره، إذ إنّ جزءاً كبيراً من الميزة التنافسية التي تتشكّل اليوم ثمرةُ تراكم المعرفة والتعلّم المستمرّ. لذا تحتاج الجهات الفاعلة في قطاع الإعلام إلى إدراك مكامن القيمة الحقيقية التي يخلقها الذكاء الاصطناعي، وإلى إرساء الأسس الصحيحة وتطوير القدرات اللازمة لتوسيع نطاق الممارسات والحلول الناجحة وتعميمها.

وهذا بالضبط هو المنظور الذي سعينا إلى تقديمه في هذا التقرير؛ إذ نتطلّع إلى ما هو أبعد من حالات الاستخدام والتطبيقات الفردية، لنستكشف كيف بدأ الذكاء الاصطناعي التوليدي والمساعد والوسائط المُولَّدة اصطناعياً في إعادة صياغة سلسلة القيمة الإعلامية والميزات التنافسية ومفهومَي الكفاءات والموثوقية.

وستصبح تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في ذاتها متاحةً للجميع دون عوائق، غير أنّ ما يصنع الفارق بين المؤسسات الإعلامية ويميّزها هو طريقة توظيفها لهذه التقنية. ومن هنا تتمثّل الخيارات الاستراتيجية لقادة الإعلام في تحديد الوظائف التي يؤتمتونها، والمجالات التي يعزّزونها، والمساحات التحريرية والإبداعية التي ينبغي أن يظلّ في صميمها الإبداع البشري والحكمة التحريرية والأصالة الموثوقة.

وهذه الاختيارات هي ما سيرسم ملامح المرحلة المقبلة من مسيرة الإعلام، وقد حان وقت اتّخاذها الآن.

لمحة عن التقرير

يمضي الذكاء الاصطناعي بخطى متسارعة نحو صياغة مشهدٍ جديد لمنظومة الإعلام العربي؛ فقد تجاوز أثره أدواتٍ منفردة وحالاتِ استخدامٍ معزولة ليشمل طرق إعداد الموادّ الإعلامية وصناعتها، والأساليب التي يستكشف بها الجمهور المحتوى ويتفاعل معه، وكيفية تحقيق العوائد منه، وصولاً إلى تحوّلٍ جذري في مفهوم الأصل الإعلامي نفسه.

ويقدّم هذا التقرير تحليلاً معمّقاً لهذا التحوّل ضمن إطار عملٍ متكامل؛ إذ يدرس أربعة قطاعات إعلامية رئيسية، ويتتبّع حضور الذكاء الاصطناعي في مختلف مراحل العمل الإعلامي، مستعرضاً انعكاساته الأوسع على التشريعات وبناء الكفاءات والميزات التنافسية.

تحديد السياق: الذكاء الاصطناعي في المشهد الإعلامي

يضع هذا القسم السياق العامّ لأثر الذكاء الاصطناعي في الإعلام، بدءاً من تسارع وتيرة التبنّي في مختلف القطاعات، ومروراً بتطوّر التقنية في هذا المجال، ووصولاً إلى رصد كيف يعيد تشكيل خطوط العمل الإعلامي، وتبيُّن التحوّلات الهيكلية التي ستقرّر مواضع بناء الميزات التنافسية مستقبلاً.

تنامي دور الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام العربي

يبحث هذا القسم في استجابة منظومة الإعلام العربي لموجة تبنّي أدوات الذكاء الاصطناعي؛ إذ يربط بين تقديرات الاستثمار في السوق، واتجاهات التبنّي، ومستويات النضج، والأولويات المؤسسية، ليقيّم وضع المنطقة الراهن ومدى سرعة تطوّر هذا السوق.

أربعة مجالات إعلامية، منظور مشترك واحد

يدرس التقرير أثر الذكاء الاصطناعي في أربعة مجالات إعلامية رئيسية، هي: الفيديو، والمحتوى الصوتي، والألعاب الإلكترونية، والاتصالات الاستراتيجية والعلاقات العامة. ويتطور كل من هذه المجالات على نحو مختلف عبر المراحل الثلاث لسلسلة القيمة، وهي: صناعة المحتوى وتطويره، وتوزيعه ونشره، وتحقيق الإيرادات منه. وعلى الرغم من تفاوت التطبيقات ومستويات النضج وما يترتب عليها من تداعيات، فإن هذه المجالات مجتمعة تقدم رؤية شاملة للكيفية التي بدأ بها الذكاء الاصطناعي إعادة تشكيل منظومة الإعلام العربي.

قطاع الفيديو

يستكشف هذا القسم تحوّل قطاع الفيديو بفعل الذكاء الاصطناعي، بدءاً من مراحل صناعة المحتوى وإنتاجه، ومروراً بآليات النشر والتوزيع، ووصولاً إلى طرق تحقيق العوائد. ويقيّم مواضع تركّز الاستثمارات، ويضيء التطبيقات الناشئة في المنطقة، ويبحث في الأولويات الاستراتيجية التي يتعيّن على القادة معالجتها مع توغّل الذكاء الاصطناعي في خطوات سير عمل الفيديو.

قطاع المحتوى الصوتي

يبحث هذا القسم في أثر الذكاء الاصطناعي في الموسيقى والراديو والبثّ الحيّ والبودكاست والمحتوى الصوتي عند الطلب. ويتناول الانتقال من الإنتاج بمساعدة التقنية إلى تجارب استماعٍ تتّسم بالتخصيص والتكيّف والتوليد الاصطناعي، ويدرس في الوقت نفسه ما يثيره ذلك من قضايا الهوية والأصالة وحقوق الملكية.

قطاع الألعاب الإلكترونية

يقيّم هذا القسم كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي مراحل تطوير الألعاب الإلكترونية وتجارب اللاعبين والمعادلة الاقتصادية في هذا المجال. ويستكشف التطبيقات الناشئة في المنطقة، ويرصد كيف تفتح مستويات التخصيص والأتمتة والتفاعل الذكي آفاقاً جديدة، وتستحدث في الوقت نفسه مسؤولياتٍ جديدة لحماية السلامة الرقمية للاعبين.

قطاع الاتصالات الاستراتيجية والعلاقات العامة

يستكشف هذا القسم كيف ينقل الذكاء الاصطناعي الاتصالات الاستراتيجية من نموذج الرصد الدوري وتنفيذ الحملات إلى نموذجٍ يقوم على استمرارية التحليل الذكي للسردية الإعلامية. ويبحث في كيف توظّف المؤسسات هذه التقنية لفهم فئات الجمهور، والتنبّؤ بالمشكلات، وتوليد المحتوى، وتعميق التفاعل، مع الحفاظ التامّ على الثقة والحُكم البشري والمسؤولية.

أثر الذكاء الاصطناعي في الأطر التنظيمية لقطاع الإعلام

يبحث هذا القسم في التحديات الحقيقية التي تفرضها على الأطر التنظيمية وسائلُ الإعلام القائمة أساساً على الذكاء الاصطناعي، وتلك التي تستخدمه بكفاءةٍ عالية، وهي أطرٌ صُمِّمت في الأصل للمحتوى البشري ولآليات توزيعه التقليدية. واستناداً إلى الاتجاهات الناشئة وأفضل الممارسات العالمية، يستعرض القسم الركائز التنظيمية الكفيلة بمساعدة الأسواق العربية على حماية الثقة والإبداع وحقوق الملكية الفكرية دون تقييد الابتكار.

أثر الذكاء الاصطناعي في الكفاءات الإعلامية

يبحث هذا القسم في كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي الأدوار والمهارات والمسارات المهنية الإعلامية، بدءاً من أتمتة المهامّ الفردية ووصولاً إلى تحوّلاتٍ أوسع في طرق تطوير الكوادر البشرية وتمكينها. ويتناول انعكاسات ذلك في الأدوار الناشئة والقدرات المؤسسية والمهن المستحدثة والأنظمة التعليمية اللازمة لإعداد الجيل المقبل من الإعلاميين المحترفين.

من تبنّي الذكاء الاصطناعي إلى ميزةٍ مستدامة

يجمع هذا القسم نتائج التقرير ورؤاه ليبحث متطلّبات المرحلة المقبلة للذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي؛ إذ ينقل التركيز من مساحات الاختبار والتبنّي الأوّلي إلى بناء القدرات وأطر الحوكمة والكفاءات والخيارات الاستراتيجية اللازمة لتحويل الذكاء الاصطناعي إلى قيمةٍ مستدامة وميزةٍ تنافسية طويلة الأجل.

00.

مقدمة

تتزايد أهمية الذكاء الاصطناعي بوصفه عامل تمكينٍ محورياً لمختلف عناصر المنظومة الإعلامية، إذ يعيد رسم الكيفية التي تُصنع بها الموادّ الإعلامية وتُوزَّع وتُكتشَف وتُستثمَر تجارياً. والفرص المتاحة للمؤسسات الإعلامية في العالم العربي تتجاوز رفع الكفاءة والأتمتة، فالذكاء الاصطناعي يفتح آفاقاً جديدة للإبداع، ويعزّز تفاعل الجمهور، ويخصّص المحتوى، ويبتكر صيغاً ونماذج عملٍ جديدة، ويطرح في الوقت نفسه تساؤلاتٍ مهمّة عن الثقة والمصداقية والحوكمة والدور المتطوّر للإبداع البشري.

يتناول هذا التقرير آثار الذكاء الاصطناعي الحالية والناشئة في قطاع الإعلام العربي، ويقدّم رؤيةً محلية لكيفية تبنّي هذه التكنولوجيا اليوم، ولما يُتوقَّع أن يتطوّر إليه دورها في السنوات المقبلة. واستناداً إلى أبحاث السوق وآراء خبراء القطاع والنماذج الإقليمية ودراسات الحالة، يستكشف التقرير أبرز مستجدّات الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته وأكثرها ملاءمةً للقطاع، والفرص التي يتيحها، والعوائق التي قد تؤثّر في مسار انتشاره في المنطقة.

0.1

نطاق الدراسة الحالية للمشهد الإعلامي

يسعى التقرير إلى تقديم رؤيةٍ مركّزة وشاملة لواقع قطاع الإعلام، ويتناول لذلك أربعة مجالات رئيسية ضمن المنظومة الإعلامية:

الفيديو (المحتوى المرئي)، ويشمل الأخبار والأفلام والمحتوى المسموع والمرئي الدرامي والبرامجي، سواء عبر القنوات التلفزيونية التقليدية أو منصّات البثّ الرقمي (OTT)؛ إذ يظلّ المحتوى المرئي المحرّك الأساسي لتفاعل الجمهور والتأثير الثقافي والقيمة الاقتصادية.

الألعاب الإلكترونية، وهي من أسرع المجالات نمواً في قطاع الإعلام، إذ تجمع بين المحتوى التفاعلي والتكنولوجيا والتجارب الرقمية لتقدّم للمستخدم أشكالاً ترفيهية أشدّ تفاعلاً وعمقاً.

الاتصالات والعلاقات العامة، وتشمل العلاقات العامة والاتصالات الحكومية وما يندرج تحتها من أنشطة الاتصالات الاستراتيجية التي توجّه تعامل المؤسسات الحكومية مع الجمهور والأطراف ذات المصلحة.

الصوتيات (المحتوى المسموع)، وتشمل الموسيقى والبثّ الإذاعي والبودكاست عبر قنوات البثّ التقليدية ومنصّات البثّ الرقمي.

ويتميّز كلّ مجالٍ من هذه المجالات بخصائص مستقلّة ونماذج عملٍ خاصة به، وتتفاوت فيها مستويات النضج التقني في الذكاء الاصطناعي، غير أنها تشترك على نحوٍ متزايد في التقنيات والمنصّات والإمكانات المستخدمة. وعليه، لا ينبغي التعامل مع الذكاء الاصطناعي بوصفه مجالاً إعلامياً قائماً بذاته، وإنما بوصفه أداةً أو قدرةً تقنية مشتركة بين المجالات جميعها، يترسّخ انتشارها على امتداد المنظومة الإعلامية.

0.2

منظور مشترك لتقييم أثر الذكاء الاصطناعي

ولتقييم أثر الذكاء الاصطناعي في هذه المجالات تقييماً متّسقاً، يتناول التقرير سلسلة القيمة الإعلامية من منظور ثلاث مراحل رئيسية:

تشمل صناعة المحتوى مراحل تطوير المحتوى الإعلامي وإنتاجه جميعها، بدءًا من طرح الأفكار الأولية والأبحاث والكتابة، ووصولًا إلى الإنتاج والتحرير وإنشاء المحتوى وصياغته في قالبه النهائي.

ويضم مجال توزيع المحتوى آليات تنظيمه وتهيئته وتنسيقه ونشره، وآليات اكتشافه وإبرازه للجمهور عبر مختلف القنوات والمنصات.

أما تحقيق الإيرادات من المحتوى فيتناول كيف تحوّل المؤسسات الإعلامية المحتوى وتفاعل الجمهور إلى قيمة تجارية، عبر الإعلانات والاشتراكات والتراخيص وغيرها من نماذج الإيرادات الناشئة.

وتوفر هذه المراحل الثلاث مجتمعةً إطارًا تحليليًا مشتركًا يكشف مواطن التأثير الأبرز للذكاء الاصطناعي، ويبيّن تباين هذا التأثير باختلاف المجالات الإعلامية، ويحدد أهم الفرص والتحديات المحتملة في مراحل لاحقة.

ويطبّق التقرير في أقسامه اللاحقة المنظور نفسه على تطور الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام العربي، فينطلق من دراسات الحالة الأكثر واقعية في وقتنا الحاضر إلى الإمكانات التقنية الأكثر تطورًا التي باتت تعيد تعريف إنتاج المحتوى الإعلامي والتفاعل معه وتحديد قيمته.

الشكل 01: سلسلة القيمة الإعلامية
  1. صناعة المحتوى

    تطوير المحتوى الأصلي والمفاهيم الإبداعية واستقطابها وصياغتها في قالب متكامل... عبر مجالات المحتوى المرئي والمسموع والاتصالات والألعاب الإلكترونية، من خلال صناعة المحتوى وتنسيقه وإدارة المخاطر وصياغة المحتوى في قالب موجه للجمهور المستهدف.

  2. توزيع المحتوى

    توصيل المحتوى إلى الجمهور المستهدف عبر مجموعة واسعة من القنوات والمنصات... بما في ذلك المنصات الرقمية والقنوات المدفوعة والقنوات التلفزيونية الأرضية والفضائية وخدمات البث التلفزيوني عبر الإنترنت (IPTV).

  3. تحقيق الإيرادات من المحتوى

    تحقيق الإيرادات من المحتوى عبر مجموعة من النماذج التجارية... تشمل الإعلانات والاشتراكات والدفع مقابل المشاهدة والتراخيص وفرص الرعاية ومبيعات المنتجات التجارية.

01.

تحديد السياق: الذكاء الاصطناعي في المشهد الإعلامي

1.1

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل القطاعات وفي مقدمتها قطاع الإعلام

لا يقتصر أثر الذكاء الاصطناعي على تغيير قطاعات بعينها، بل يبرز اليوم تقنيةً عامة الاستخدام تعيد رسم ملامح الشركات والقطاعات، ويتنامى تأثيره تدريجيًا في آلية عمل الأنظمة الاقتصادية والمجتمعات كلها. وتراجع المؤسسات في مختلف القطاعات اليوم طرائق تنفيذ أعمالها واتخاذ قراراتها وابتكار منتجاتها وخدماتها وتحقيق القيمة لعملائها.

وقد انصبّ التركيز في بداية الأمر على التجارب والتطبيقات الفردية، ثم تحوّل بسرعة إلى موجة تحوّل شاملة تجتاح مستويات المؤسسة كافةً. ويتزايد توظيف الذكاء الاصطناعي في مختلف وظائف الأعمال لتعزيز قدرة الإنسان على صنع القرار، وأتمتة المهام الروتينية، وتسريع الأعمال التي تتطلب معارف واسعة، وإتاحة مسارات جديدة للنمو وخلق القيمة.

وتعكس وتيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي حجم هذا التحول؛ فـ88% من المؤسسات تفيد اليوم بتوظيفه في وظيفة أعمال واحدة على الأقل، مقارنةً بـ78% منها في عام 2024. ومع ذلك، ما يزال التبنّي المؤسسي في مراحله المبكرة، إذ لم يبدأ توسيع نطاق مبادرات الذكاء الاصطناعي عبر العمليات التشغيلية سوى نحو ثلث المؤسسات، وهو ما يشير إلى أن قسمًا كبيرًا من الأثر الاقتصادي والمؤسسي للذكاء الاصطناعي لم يتحقق بعد.

ويُرجَّح أن يقود الذكاء الاصطناعي الوكيل المرحلة المقبلة من هذا التطور؛ فبعد أن اقتصرت التطبيقات الأولى في معظمها على معاونة الأفراد في تنفيذ مهام منفصلة، صار الذكاء الاصطناعي الوكيل يتولى التخطيط والتنسيق وتنفيذ مسارات عمل متعددة الخطوات عبر مختلف الأنظمة والوظائف.

وما يزال هذا التحول في بداياته؛ إذ أفادت 23% فقط من المؤسسات بتوسيع نطاق استخدام الذكاء الاصطناعي الوكيل في وظيفة أعمال واحدة على الأقل، فيما تخوض 39% منها مرحلة التجريب، مع الإشارة إلى أن أمثلة التطبيق الموسّع ما تزال محصورة في عدد محدود من الوظائف.

غير أن التوجه يبدو واضحًا؛ فقد انتقل الذكاء الاصطناعي من مجموعة أدوات تتوزع في أنحاء المؤسسة ليكتسب أهمية متزايدة بوصفه طبقة ذكاء أفقية تمتد إلى الوظائف جميعها، وتشمل تطبيقات سير العمل والوظائف التشغيلية وعمليات صنع القرار.

الإعلام في طليعة القطاعات المتبنّية للذكاء الاصطناعي

مع أن أثر الذكاء الاصطناعي يمتد إلى القطاعات كلها تقريبًا، فإن وتيرة التبنّي وطبيعته تتفاوتان من قطاع إلى آخر. وكانت شركات التكنولوجيا في طليعة من تبنّوا هذه التقنية بطبيعة الحال، غير أن مؤسسات الإعلام والاتصالات سرعان ما لحقت بها، حتى غدت اليوم من أعلى القطاعات تبنّيًا للذكاء الاصطناعي، إلى جانب قطاعي التكنولوجيا والتأمين.

وهذا ما يضع قطاع الإعلام في موقع استثنائي؛ فهو لم يبقَ بمعزل عن التحول الأوسع نحو الذكاء الاصطناعي، بل غدا في واقع الأمر أحد حقول التجارب لهذا التحول.

وقلّ أن يضم قطاع آخر تحت مظلته هذه المجموعة الواسعة من الأنشطة المعرّضة لتأثير الذكاء الاصطناعي، من الإبداع وإنتاج المحتوى واكتشاف المعلومات والملكية الفكرية والتوزيع، إلى تعزيز تفاعل الجمهور والإعلانات وتخصيص المحتوى وتحقيق الإيرادات. ومع التقدم المستمر في إمكانات الذكاء الاصطناعي، لا يقتصر تأثيره على الركائز التشغيلية للمؤسسات الإعلامية، بل يمتد إلى المنتج الإعلامي ذاته: المحتوى الذي يراه الجمهور ويسمعه ويعيش تجربته.

ولذلك يتيح قطاع الإعلام اطّلاعًا مبكرًا على ما يبلغه الذكاء الاصطناعي حين يتحول من أداة لتعزيز الكفاءة إلى قوة دفع أساسية تعيد تشكيل سلسلة القيمة في القطاع. فهو يدعم اليوم جمع المعلومات ومعالجتها، وإعداد مسودات المحتوى وأفكاره، والتسويق، وتعزيز تفاعل الجمهور، والعمليات الخدمية. ويتقدم باطّراد نحو المراحل الأولى ليندمج في وظائف الإنتاج الإبداعي وسير العمل التحريري وتخصيص المحتوى، وليتيح أنماطًا جديدة كليًا من المواد الإعلامية الاصطناعية والمولَّدة بالذكاء الاصطناعي.

ويحمل هذا التحول في طيّاته تداعيات عميقة على المؤسسات الإعلامية؛ فلأن قطاع الإعلام يقف اليوم في صدارة المتبنّين للذكاء الاصطناعي، يُرجَّح أن يواجه قبل سواه ما تحمله هذه المرحلة المقبلة من فرص وتوترات وتغيرات هيكلية.

فقطاع الإعلام إذًا يتصدر مسيرة التحول العالمية نحو الذكاء الاصطناعي، وهو من القطاعات التي تبرز فيها ملامح هذا التحول أجلى ما تكون.

الشكل 02: معدلات تبني الذكاء الاصطناعي حسب القطاع (%)
الشكل 02: معدلات تبني الذكاء الاصطناعي حسب القطاع (%)
القطاعنسبة التبنّي (%)
الإعلام والاتصالات96%
التأمين95%
التكنولوجيا95%
الرعاية الصحية92%
البضائع الاستهلاكية والتجزئة91%
الخدمات المتخصصة91%
السفر والخدمات اللوجستية90%
الطاقة والموارد89%
المؤسسات المالية86%
التصنيع المتقدم86%
الهندسة والإنشاءات84%
الأدوية والمنتجات الطبية83%
1.2

عصر الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام

من الرقمنة إلى ثورة الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام

تمثّل حقبة الذكاء الاصطناعي الراهنة أحدث محطات التطور الشامل لقطاع الإعلام؛ فقد غيّرت موجات متعاقبة من التحولات التقنية — من حقبة التأسيس الرقمي وثورة وسائل التواصل الاجتماعي إلى حقبة الهواتف المحمولة وتخصيص المحتوى — آليات صناعة المحتوى وتوزيعه واستهلاكه تغييرًا تدريجيًا، وأرست في الوقت نفسه قواعد البنية التحتية الرقمية والبيانات وسلوكيات الجمهور، وهي القواعد التي مهّدت الطريق لحقبة الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيل التي نشهدها اليوم.

ففي حقبة التأسيس الرقمي (من تسعينيات القرن الماضي إلى بدايات الألفية الثالثة)، أخذ انتشار الإنترنت والقنوات التلفزيونية الفضائية والتقنيات الرقمية يدفع قطاع الإعلام بعيدًا عن صيغ الإنتاج التناظرية التي كانت سائدة. واتّسع التوجه نحو رقمنة المحتوى وإتاحة الوصول إليه عبر قنوات جديدة، فأُرسي الأساس التقني الذي أتاح صناعة المحتوى الإعلامي وتخزينه وتوزيعه على نطاق أوسع بكثير.

أما ثورة وسائل التواصل الاجتماعي (في العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين) فقد غيّرت تغييرًا جذريًا طبيعة الجهات القادرة على صناعة المحتوى وتوزيعه؛ إذ أزالت منصات مثل «يوتيوب» و«فيسبوك» و«تويتر» العوائق التقليدية أمام النشر، فأتاحت للجمهور أن يتحول إلى صانع محتوى، وتسارع بذلك نمو حجم المحتوى وتنوعه وسرعة انتشاره عبر المنظومة الإعلامية.

وتسارعت وتيرة هذا التطور أكثر في حقبة الهواتف المحمولة وتخصيص المحتوى (في العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين)؛ فقد جعل انتشار الهواتف الذكية استهلاك الإعلام أكثر مرونة، وقائمًا على الطلب، ومستمرًا بلا انقطاع، فيما طرحت منصات مثل «إنستغرام» و«سناب تشات» و«تيك توك» أشكالًا جديدة للمحتوى وسلوكيات استهلاكية مستجدة. وفي الوقت نفسه، أتاح تزايد حجم بيانات الجمهور والتقدم في تقنيات تعلم الآلة للمنصات الإعلامية أن ترفع كفاءة تخصيص آليات اقتراح المحتوى وتعديلها وإبرازه لكل مستخدم على حدة.

وقد صار دور الذكاء الاصطناعي محوريًا بالفعل في هذه الفترة؛ إذ تزايد اعتماد محركات اقتراح المحتوى على تعلم الآلة في تحليل سلوكيات المشاهدة والاستماع، ووُظّف الذكاء الاصطناعي في مجالات كالمؤثرات البصرية والرسوم المتحركة والألعاب الإلكترونية وتحليل سلوكيات الجمهور، وتوسّع اعتماد منصات مثل «نتفليكس» و«سبوتيفاي» على مقترحات الخوارزميات في تخصيص تجربة اكتشاف المحتوى وتجارب المستخدمين. وأظهرت هذه التطبيقات المبكرة قدرة الذكاء الاصطناعي على تفسير أحجام ضخمة من البيانات، وأتمتة أنشطة محددة، وتخصيص التجارب الإعلامية على نطاق واسع.

ويؤذن ظهور الذكاء الاصطناعي التوليدي والوكيل (في الوقت الحاضر) ببدء تحول أعمق؛ فبعد أن كان الاعتماد على الذكاء الاصطناعي منصبًّا في الأساس على تحليل البيانات أو تحسين العمليات القائمة، بات بإمكان هذه التقنية أن تنتج النصوص والصور والمحتوى الصوتي والمرئي، فاتّسع دورها ليشمل الأنشطة الإبداعية والإنتاجية.

وعليه تمثّل ثورة الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام المرحلة التالية من مسيرة التحول الرقمي للقطاع، وتُعدّ امتدادًا طبيعيًا لقدرات تطورت ورسخت خلال العقود الماضية، مستفيدةً من تعاظم الربط الشبكي وزخم المحتوى وبيانات الجمهور وإمكانات تخصيص المحتوى.

الشكل 03: أبرز محطات قطاع الإعلام التي قادت إلى حقبة الذكاء الاصطناعي
  1. 1990 - 2000

    حقبة التأسيس الرقمي (من تسعينيات القرن الماضي وحتى بدايات الألفية الثالثة)

  2. 2005

    ثورة وسائل التواصل الاجتماعي (في العقدين الأول والثاني من القرن الحادي والعشرين)،

  3. 2015

    حقبة الهواتف المحمولة وتخصيص المحتوى (في العقدين الثاني والثالث من القرن الحادي والعشرين)

  4. +2025

    الذكاء الاصطناعي التوليدي والمساعد (الوقت الحاضر)

التحول من الذكاء الاصطناعي كأداة إعلامية إلى طبقة تشغيلية ذكية، وما بعد ذلك

ينتقل الذكاء الاصطناعي من مجموعة أدوات منفصلة إلى قدرة ذكية شاملة تتخلل مختلف مراحل سلسلة القيمة الإعلامية. ويتجاوز دوره اليوم إنشاء المحتوى ليدعم وظائف إعلامية عدة، كالبحث والإنتاج وتوطين المحتوى وتوزيعه وتحقيق الإيرادات وقياس الأثر.

وقد تركّزت الموجة الأولى من انتشار الذكاء الاصطناعي في معظمها على الأتمتة والتنبؤ، عبر تطبيقات مثل تحليل سلوك الجمهور، ومحركات اقتراح المحتوى، ووسم البيانات الوصفية، وتفريغ النصوص الصوتية، وتحسين الحملات الإعلانية. وقد حسّنت هذه الأدوات كفاءة أنشطة بعينها، غير أن دورها بقي محصورًا في العموم داخل خطوات سير العمل القائمة.

ثم وسّع الذكاء الاصطناعي التوليدي الفرص المتاحة، فنقلها من الأتمتة إلى التعزيز والتحسين ومضاعفة الحجم؛ إذ صار في وسعه أن يدعم أنشطة لطالما ارتبطت بالجهد الإبداعي والمعرفي، كالأبحاث وتطوير المفاهيم وكتابة السيناريوهات وإنشاء المحتوى المرئي والصوتي والترويجي، وتكييف المحتوى ليلائم مختلف صيغ النشر ولغاته.

ومن شأن هذا التقدم أن يتيح للمؤسسات الإعلامية خفض وقت الإنتاج وتكلفته وتعزيز تخصيص المحتوى، فيسهل عليها أن تقدم خدماتها لشرائح أكبر من الجمهور، بلغات متعددة وصيغ متنوعة وعلى نطاق واسع. وهو في الوقت نفسه يطرح أسئلة مهمة عن الملكية الفكرية والأصالة والنزاهة التحريرية، وعن الدور الملائم للإبداع البشري.

أما التحول التالي فقد انتقل فيه الذكاء الاصطناعي من تقنية تصنع المحتوى إلى تقنية تنسّق الخطوات وتنفذها.

فالذكاء الاصطناعي الوكيل يسعى إلى تحقيق هدف عبر خطوات متعددة، بدلًا من الاستجابة لتعليمات منفصلة تؤدي الغرض ذاته. فهو يستطيع، مثلًا، أن يسترجع المواد من الأرشيف، ويعدّ المحتوى، وينشئ صيغًا بديلة تناسب المنصات واللغات المستخدمة، ويتحقق من المتطلبات المحددة سلفًا، ويقدم توصيات في الوقت الأمثل للتوزيع، وهو يواصل مع ذلك كله إحالة القرارات التحريرية والإبداعية إلى الإشراف البشري.

ويغيّر هذا التوجه الدور المحتمل للذكاء الاصطناعي، فينقله من أداة داخل خطوات سير العمل إلى منسّق لسير العمل ذاته ومنظّم له.

وبترابط هذه الإمكانات، سيتمكن الذكاء الاصطناعي الوكيل تدريجيًا من العمل بأنظمة متعددة تتعاون في خطوات سير العمل نفسها؛ أي سيصبح في وسع أنظمة البحث والحقوق وتوطين المحتوى وتحليل الجمهور والتوزيع أن تنسّق جهودها في نص بعينه، فيقلّ نقل خطوات العمل يدويًا من شخص إلى آخر، ويقصر زمن رحلة النص من بلورة الفكرة إلى وصولها إلى الجمهور.

ولا يعني ذلك وجوب أتمتة الأنشطة الإعلامية كلها؛ فالمستوى المناسب من الإشراف البشري يتوقف عمليًا على طبيعة النشاط ومستوى المخاطر المقترنة به. فالمهام النمطية قد تحتمل مستويات أعلى من الأتمتة، كإثراء البيانات الوصفية واسترجاع الأصول وتتبع الإصدارات وجدولة المحتوى. أما القرارات التحريرية والتوجه الإبداعي والتقارير الحساسة وقرارات النشر ذات الأثر الملموس، فتتطلب جميعها قدرًا أعلى من التقدير البشري والمساءلة.

وفي الوقت نفسه، تعيد وسائل الإعلام الاصطناعية رسم معالم المنتج الإعلامي ذاته؛ فقد دخل ميدان الإنتاج بالفعل مقدمو برامج ينشئهم الذكاء الاصطناعي، وفنانو أداء افتراضيون، ونسخ رقمية مطابقة، وبيئات مولَّدة. ومن شأن هذه الإمكانات أن تحدث تحولًا في اقتصاد الكفاءات وفي توطين المحتوى وإنتاجه، وأن تطرح في الوقت نفسه صيغًا جديدة للمحتوى وللملكية الفكرية.

والنموذج الناشئ اليوم نموذج يجمع بين الإبداع والتقدير البشري من جهة، وأنشطة إنشاء المحتوى وتنسيقه وتكييفه على نطاق واسع من جهة أخرى. لذا لا تقتصر الفرص المتاحة على إنتاج المحتوى الإعلامي القائم بكفاءة أكبر، بل تتجلى في توسيع آفاق ما يستطيع الإعلام تحقيقه عبر تجارب اصطناعية محسَّنة أكثر تكيفًا وتخصيصًا، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حقوق الملكية البشرية والارتباط الثقافي الملائم وترسيخ الثقة.

الشكل 04: التطور في الذكاء الاصطناعي
  1. الذكاء الاصطناعي التقليدي

    الأتمتة

    تحسين المهام الفردية

    التنبوء – التوصيات - التصنيف

  2. الذكاء الاصطناعي التوليدي

    التعزيز

    تعزيز وتعظيم الإبداع البشري

    ابتكار – توليد - تكييف

  3. الذكاء الاصطناعي الوكيل

    الإدارة والتنسيق

    تنسيق سير العمل الإعلامي

    التخطيط – اتخاذ القرار - التنفيذ

  4. وسائل الإعلام الاصطناعية

    التجربة

    التوسع في المنتج الإعلامي

    توليد – تخصيص – تجربة تفاعل عميق

1.3

الذكاء الاصطناعي يعيد صياغة سلسلة القيمة الإعلامية عبر كافة مراحلها

تبرز ستة تأثيرات بشكل متزايد عبر مراحل سلسلة القيمة الإعلامية:

  • 1.تحسين مستوى صناعة المحتوى
  • 2.خفض تكاليف الإنتاج وتسريع سير العمل
  • 3.تجارب فائقة التخصيص موجهة للجمهور
  • 4.تعميق مستوى تفاعل الجمهور
  • 5.تسريع توزيع وتوطين المحتوى
  • 6.فرص جديدة لتحقيق الإيرادات

ومعنى ذلك أن الأهمية الفعلية للذكاء الاصطناعي لا تكمن في تطبيق منفرد بعينه، بل في قدرته على ربط عناصر سلسلة القيمة بعضها ببعض، فيعزز الطاقة الإبداعية في مراحل الإنتاج الأولى، ويوثّق ارتباط المحتوى بتجربة الجمهور، ويرفع كفاءة التوزيع، ويرتقي بالمخرجات التجارية في مراحل العرض النهائية.

الشكل 05: أبرز تأثيرات الذكاء الاصطناعي عبر سلسلة القيمة الإعلامية

صناعة المحتوى

  • 1.تحسين مستوى صناعة المحتوى
  • 2.خفض تكاليف الإنتاج وتسريع سير العمل

توزيع المحتوى

  • 3.تجارب فائقة التخصيص موجهة للجمهور
  • 4.تعميق مستوى تفاعل الجمهور
  • 5.تسريع توزيع وتوطين المحتوى

تحقيق الإيرادات من المحتوى

  • 6.فرص جديدة لتحقيق الإيرادات

1. الارتقاء بصناعة المحتوى

يتجاوز الذكاء الاصطناعي حدود تسريع المهام الإبداعية منفردةً ليغدو جزءًا لا يتجزأ من البيئة الإنتاجية ذاتها؛ إذ تضاعفت قدرة نماذجه على توليد النصوص والصور والمحتوى الصوتي والمرئي وسائر الأصول الإبداعية وتكييفها، مع إتاحة المجال للمؤسسات الإعلامية أن تضبط هذه الإمكانات وتعدّلها بما يلائم حقوق ملكيتها الفكرية ولغتها البصرية المعتمدة ومكتبات المحتوى الخاصة بها.

ولذلك لا تقتصر فرص توظيف المؤسسات الإعلامية للذكاء الاصطناعي على إنتاج المحتوى القائم بوتيرة أسرع، بل تشمل التوسع في الطاقة الإبداعية وتطوير أشكال جديدة من المحتوى على نطاق واسع. ويمكن كذلك توظيف المحتوى والبيانات والأصول الإبداعية الحصرية للمؤسسة في تطوير إمكانات ذكاء اصطناعي متمايزة، تغدو بدورها امتدادًا لبيئتها الإبداعية.

2. خفض تكاليف الإنتاج وتسريع سير العمل

يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يخفض الوقت والموارد اللازمة للأنشطة الإنتاجية التي تستلزم جهدًا تشغيليًا عاليًا، كتحرير المحتوى وتكييفه والمؤثرات البصرية والدبلجة وتوطين المحتوى. وتذهب التطبيقات الأكثر تطورًا إلى أبعد من ذلك، فتحلّ البيئات والصور والأصوات المولَّدة رقميًا وسائر الأصول الرقمية محل العناصر المادية في عملية الإنتاج.

ويتيح ذلك للمؤسسات الإعلامية أن تعيد النظر في قاعدة تكلفة الإنتاج؛ فالمحتوى الذي كان يتطلب فرق عمل كبيرة أو مواقع إنتاج مادية أو عمليات مطوّلة بعد الإنتاج، بات إنتاجه ممكنًا على نحو متزايد بفرق أصغر تجمع بين التوجيه الإبداعي البشري وأنظمة الإنتاج المدعومة بالذكاء الاصطناعي.

3. تجارب فائقة التخصيص موجهة للجمهور

تركّز الجيل الأول من تطبيقات تخصيص المحتوى في الأساس على انتقاء المحتوى الأوثق صلةً بالجمهور المستهدف من مكتبة أوسع. أما الذكاء الاصطناعي التوليدي فتتزايد قدرته على تكييف التجربة نفسها: اقتراحات المحتوى، واللغة المستعملة، والتفسيرات المصاحبة، وصيغة المحتوى ومدته. ويذهب الذكاء الاصطناعي الوكيل أبعد من ذلك، فيفسّر تفضيلات المستخدم ويحللها باستمرار، وينسّق الكيفية التي تُجمع بها تجربة كل مستخدم على حدة وتتشكل.

وتكمن الفرصة المتاحة للمؤسسات الإعلامية هنا في الانتقال من السؤال عن المحتوى الذي ينبغي اقتراحه على المستخدم، إلى السؤال عن التجربة الأوثق صلةً بتفضيلات هذا المستخدم بعينه. وتشتد أهمية هذا التوجه في الأسواق العربية خاصة، لما فيها من تباين واسع في اللغات واللهجات والثقافات وتفضيلات الاستهلاك.

4. تعميق تفاعل الجمهور

يفتح الذكاء الاصطناعي والمواد الإعلامية الاصطناعية آفاقًا جديدة لتفاعل الجمهور مع العلامات الإعلامية؛ فمقدمو البرامج الاصطناعيون والشخصيات الافتراضية والمحتوى المنشأ ديناميكيًا تطبيقات تتجاوز حدود تخطيط البرامج التقليدي وإعدادها، وتتيح ابتكار تجارب تتكيف مع اختلاف الجمهور واللغة والسياق.

وتكمن الفرصة المتاحة للمؤسسات الإعلامية في توظيف هذه الإمكانات لبناء نقاط تواصل جديدة مع الجمهور وتعميق تفاعله، خصوصًا حيث تحول اقتصاديات الإنتاج التقليدية دون الاستمرار في تقديم صيغ إعلامية موجهة بدقة. وتبقى القيمة المتحققة هنا مرهونة بوضوح إسناد المحتوى، وبالإشراف التحريري، وبثقة الجمهور، في ظل حضور الذكاء الاصطناعي المتزايد الملموس في التجربة الإعلامية ذاتها.

5. تسريع توزيع المحتوى وتوطينه

يعزز الذكاء الاصطناعي استجابة عملية التوزيع بأتمتة آليات إعداد المحتوى وتجهيزه وتوطينه وتكييفه بما يلائم مختلف القنوات والسياقات الاستهلاكية. ويستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي أن ينشئ نسخًا مخصصة لكل منصة عرض، وأن يولّد البيانات الوصفية والترجمة النصية والصوتية وصيغًا موجزة للمحتوى نفسه. أما أنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل الأكثر تطورًا فتتنامى قدرتها على تنسيق توقيت نسخ المحتوى المختلفة ووجهات توزيعها وإدارتها.

وتكمن الفرصة المتاحة للمؤسسات الإعلامية في تطوير سير عمل التوزيع، بحيث تتحول المادة الإعلامية الأساسية إلى صيغ عدة جاهزة لاستهلاك الجمهور، وتُوزَّع بسرعة أكبر عبر المنصات واللغات والأسواق المختلفة. ويوسّع ذلك نطاق وصول المحتوى القائم ويزيد الفائدة منه، دون زيادة مكافئة في جهود التوزيع اليدوية.

6. فرص جديدة لتحقيق الإيرادات

تقوم نماذج تحقيق الإيرادات في وسائل الإعلام التقليدية في معظمها على وحدات قيمة محددة سلفًا، كالمساحات الإعلانية والاشتراكات وحقوق المحتوى والرعايات وعمليات الشراء الرقمية. ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعزز ديناميكية العرض التجاري، إذ يجمع الفهم العميق للجمهور إلى قدرات التخصيص والتحسين التي تحدد طبيعة العروض المستهدفة وتوقيت تقديمها والصيغة الأمثل لطرحها.

ويتوسع الذكاء الاصطناعي الوكيل في هذا الدور، فينسّق القرارات المتخذة على طول المسار التجاري ويديرها. وتتزايد قدرة الأنظمة على تفسير نوايا الجمهور وتحليلها، واختيار آلية تحقيق الإيرادات الأنسب، وتكييف العرض التجاري بما يلائمها، والتعلم المستمر من استجابة الجمهور له.

وتكمن الفرصة المتاحة للمؤسسات الإعلامية في تجاوز حدود تحسين نماذج الإيرادات القائمة إلى استحداث تجارب جديدة ذات قيمة تجارية، تتمحور حول الجمهور والمحتوى والملكية الفكرية؛ ومنها إتاحة وصول مخصص لكل مستخدم، والتجارب الحصرية، والمنتجات الرقمية، والتجارة الإلكترونية، والاشتراكات، وسائر العروض التي تجاري سلوكيات الجمهور.

وبالنظر إلى هذه التأثيرات مجتمعةً، يتبيّن أن دور الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على إعادة تشكيل أجزاء منفصلة من دورة الحياة الإعلامية، بل يمتد على نحو متزايد إلى ربط عناصر سلسلة القيمة الإعلامية كاملةً وإحداث تحول ملموس فيها. فمن تسريع الذكاء الاصطناعي التوليدي وتيرةَ الإبداع والإنتاج، إلى قدرة الذكاء الاصطناعي الوكيل على إدارة سير العمل وتحسين صنع القرار وتنفيذ المهام تنفيذًا مستقلًا عبر مراحل مختلفة من سلسلة القيمة، يتضح أن الذكاء الاصطناعي يمكّن منظومة إعلامية ذكية أقدر على التكيف والتحسين المستمر.

ومع تطور الإمكانات من المساعدة في المهام الفردية إلى إدارة عمليات متكاملة، يبرز تحول الذكاء الاصطناعي من حل موجَّه إلى طبقة ذكاء أفقية تؤثر تأثيرًا شاملًا في كيفية إنشاء المحتوى الإعلامي وتوزيعه وتلقّيه وتحقيق الإيرادات منه. وفي حين تتفاوت وتيرة الانتشار ونوعية التطبيقات باختلاف المجالات، توفر هذه التأثيرات الستة منظورًا مشتركًا يُفهم من خلاله هذا التحول ودوره في إعادة رسم ملامح المشهد الإعلامي العربي.

1.4

خمس تحولات هيكلية تعيد تعريف مقومات الميزة التنافسية في الإعلام العربي

تناول القسم السابق من التقرير دور الذكاء الاصطناعي في إعادة صياغة الأنشطة المختلفة في سلسلة القيمة الإعلامية، من صناعة المحتوى وإنتاجه إلى تفاعل الجمهور وتوزيع المحتوى وتحقيق الإيرادات. وقد بدأت هذه التأثيرات بالفعل تغيّر آلية عمل المؤسسات الإعلامية ومواطن القيمة التي يحققها الذكاء الاصطناعي فيها.

غير أن أهمية الذكاء الاصطناعي على المدى الأبعد تتجاوز الأنشطة المفردة؛ فمع اتساع نطاق انتشار هذه الإمكانات، أخذت تعيد تشكيل البنية الأساسية للسوق الإعلامي ومعطياته الاقتصادية، فتحدد ما يبقى نادرًا غير متاح، ومن يقدر على خوض المنافسة، وأي الأصول كفيل بتحقيق التمايز، وأين ينبغي للمؤسسات أن تستثمر، وكيف يحدد الجمهور المحتوى الجدير بثقته.

وهذا التحول يطرح على المؤسسات الإعلامية سؤالًا استراتيجيًا مختلفًا؛ إذ لن تتحقق الميزة التنافسية بمجرد تبنّي الذكاء الاصطناعي، بل ستتوقف على نحو متزايد على كيفية استجابة المؤسسة للتحولات الهيكلية التي يحدثها في بيئتها المحيطة.

وتبرز في هذا السياق خمسة تحولات ذات أهمية خاصة.

1. وفرة المحتوى تغيّر مواطن تحقق القيمة

يقلّص الذكاء الاصطناعي الجهد اللازم لصناعة المحتوى الإعلامي وتكييفه وإعادة إنتاجه عبر مختلف الصيغ واللغات والأسواق. واتساع الطاقة الإنتاجية يعني أن المحتوى نفسه بات أقل ندرة.

ويغيّر ذلك الأساس الذي تقوم عليه المنافسة؛ فلم يعد التحدي إنتاج القدر الكافي من المحتوى، بل قدرة هذا المحتوى على جذب الاهتمام والحفاظ على تميزه في بيئة يتسع فيها أمام الجمهور مدى الخيارات باطّراد.

وتعني الوفرة كذلك أن التمايز بين المؤسسات صار أصعب؛ فمع تقارب نماذج الذكاء الاصطناعي وإمكانات الإنتاج المتاحة للمؤسسات الإعلامية، تغدو المخرجات القائمة على التقنية وحدها عرضة للاستنساخ بسهولة أكبر. وقد برز هذا التحدي فعلًا مع التوسع في استخدام المحتوى الاصطناعي.

التداعيات بالنسبة للإعلام العربي

يتعين على المؤسسات الإعلامية أن تصير أشد انتقائية في توظيف مواردها الإبداعية والمالية.

فبدلًا من توظيف الذكاء الاصطناعي لزيادة المخرجات في المقام الأول، على قادة المؤسسات أن يحددوا أنواع المحتوى وحقوق الامتياز والصيغ الإعلامية الجديرة بحصة أكبر من الاستثمار، لكونها تجذب الانتباه أو تحافظ على ولاء الجمهور أو تحقق القيمة عبر قنوات وأسواق متعددة.

ومعنى ذلك أن الانضباط في إدارة المحفظة الإعلامية يزداد أهمية: تحديد حقوق الملكية الفكرية القابلة للتطوير، وصيغ المحتوى التي يمكن التوسع فيها عربيًا، ومواطن الجهد الإبداعي البشري التي تضاعف القيمة، والأنشطة منخفضة القيمة التي يمكن للذكاء الاصطناعي إنتاجها أو تكييفها بكفاءة أكبر.

ولعل الميزة التنافسية للمؤسسات الإقليمية لا تكمن في إنتاج الحجم الأكبر من المحتوى، بل في بناء عدد محدود من الأصول الإعلامية الفريدة القابلة للتمييز والتوسع، التي تنشأ حولها منظومات تجارية وشبكات جماهيرية أوسع.

التحول الجوهري: من مضاعفة حجم المحتوى إلى تركيز الاستثمار على إنتاج محتوى متميز وقابل للتوسع

2. يقلل الذكاء الاصطناعي من عوائق دخول القطاع، ويوسع نطاق التنافسية

يفتح الذكاء الاصطناعي أمام شركات الإنتاج الناشئة وصنّاع المحتوى والشركات الرقمية المنشأ بابًا إلى إمكانات كانت تتطلب بنية تحتية إنتاجية هائلة وفرق عمل متخصصة ورأس مال كبير.

وصار ميسورًا على الفرق المحدودة أن تنتج الصور والمحتوى المرئي والصوتي، وأن توطّن المحتوى وتسوّقه باحتراف، بمنظومات تقنية أكثر مرونة. ومعنى ذلك تراجع بعض العوائق التقليدية التي كانت تفصل المؤسسات العريقة عن المنافسين الجدد.

وتتلاشى في الوقت نفسه الحدود الفاصلة بين الشركات الإعلامية وصنّاع المحتوى ومنصات التكنولوجيا والشركات الرقمية المنشأ، فتتسع دائرة المنافسة إلى ما وراء مؤسسات البث التقليدية ودور النشر وشركات الإنتاج ومنصات البث الرقمي.

التداعيات بالنسبة للإعلام العربي

يُرجَّح أن يتراجع حجم المؤسسة وبنيتها التحتية التقليدية بوصفهما مصدرين للميزة التنافسية، وسيتعين على المؤسسات العريقة أن تنافس بالسرعة والمرونة والقدرة على حشد إمكاناتها وتوجيهها عبر منظومة العمل.

وقد يستدعي ذلك أساليب مختلفة في الابتكار: فرق أصغر متعددة الاختصاصات، ووتيرة تجريب أسرع، وتعاون أوثق مع صنّاع المحتوى والشركات التقنية، وشراكات أو استثمارات انتقائية حيث تكون الإفادة من القدرات الخارجية أسرع وأجدى من بنائها داخليًا.

ولا شك أن المكانة الراسخة لكبرى المؤسسات الإعلامية العربية تمنحها مزايا مهمة، لكنها مزايا تحتاج على نحو متزايد إلى التفعيل والاستثمار، لا إلى الاكتفاء بحمايتها؛ إذ يمكن أن تُدمج العلامات القوية ونطاق التوزيع وشبكات الكفاءات والعلاقات التجارية بما تتيحه المنظومة الأوسع من سرعة وابتكار.

ومعنى ذلك أن الميزة الاستراتيجية تنتقل من امتلاك الإمكانات كلها وتطويرها داخليًا، إلى القدرة على إدارة الكفاءات والتقنيات والمحتوى والشراكات بكفاءة تفوق المنافسين.

التحول الجوهري: من توسيع نطاق العمليات كميزة رئيسية إلى تعزيز السرعة والمرونة والتنسيق المتكامل للمنظومة.

3. تحول اللغة العربية والسياق الثقافي والبيانات الحصرية إلى أصول استراتيجية

مع اتساع وصول المؤسسات حول العالم إلى نماذج ذكاء اصطناعي أكثر تطورًا وتعقيدًا، لم يعد الوصول إلى التقنية وحده مصدرًا مستدامًا للتمايز.

وتنتقل الميزة التنافسية عندئذ إلى الأصول التي ترفد بها المؤسسات هذه التقنيات: المحتوى الحصري، وأرشيفات المحتوى، وبيانات الجمهور، والبيانات الوصفية، وحقوق الملكية الفكرية، والمعرفة بالسياق الثقافي، وقواعد البيانات المتخصصة.

ولهذا التحول أهمية خاصة في قطاع الإعلام العربي، لما في العربية من تنوع لغوي وثقافي هائل عبر مختلف الدول واللهجات والمجتمعات. وفي حين تنجح النماذج العالمية في إنتاج محتوى بعربية سليمة متقنة، تواجه صعوبة في استيعاب اللهجات المحلية والسياق الثقافي والتواصل متعدد اللغات والدلالات ذات الخصوصية الثقافية.

التداعيات بالنسبة للإعلام العربي

تملك المؤسسات الإعلامية العربية أصولًا مرشحة لأن تزداد قيمة في سوق مدعوم بالذكاء الاصطناعي: عقود من أرشيف المواد الصوتية والمرئية، والصحافة الإقليمية، وحقوق الملكية الفكرية الترفيهية، والعلاقات الوثيقة مع الجمهور، والمحتوى بالعربية، والفهم العميق للثقافات المحلية وأنماط الاستهلاك.

ولا بد من النظر إلى هذه الأصول بوصفها أصولًا استراتيجية لتوظيف الذكاء الاصطناعي، لا مستودعات لحفظ المحتوى.

فأرشيفات المحتوى المنظّمة والبيانات الحصرية تدعم اكتشاف المحتوى الدقيق وتوطينه وتخصيصه بكفاءة أكبر، وقواعد البيانات اللغوية الإقليمية تحسّن أداء الذكاء الاصطناعي عبر مختلف اللهجات العربية، والذكاء الثقافي يعين المؤسسات على بناء تجارب أوثق صلة بواقع الجمهور العربي واهتماماته مما تولّده النماذج العالمية الموحدة.

وعليه، لا تقتصر الفرصة المتاحة للمؤسسات الإعلامية العربية على استهلاك إمكانات ذكاء اصطناعي طُوّرت في مناطق أخرى من العالم، بل تمتد إلى دمج هذه الإمكانات بأصول إقليمية يعسر على منافسيها في العالم نسخها.

التحول الجوهري: من توظيف تقنية الذكاء الاصطناعي كعامل تمايز قائم بذاته إلى الاعتماد على البيانات الحصرية والمحتوى والذكاء الثقافي كعوامل تمايز

4. إعادة تصميم الهيكل الاقتصادي للإعلام لا مجرد خفض التكاليف

كثيرًا ما يُطرح الذكاء الاصطناعي أداةً لرفع الكفاءة التشغيلية؛ فهو يستطيع في مراحل عدة من سير العمل الإعلامي أن يقلّص الوقت والجهد البشري والموارد المادية اللازمة لإنتاج المحتوى وتوزيعه. غير أنه لا يكتفي بإلغاء التكاليف التقليدية، بل يستحدث في المقابل مراكز كلفة ونفقات جديدة كليًا.

فقد تتراجع في مجالات محددة النفقات المخصصة لطواقم الإنتاج ومواقع التصوير الفعلية والمونتاج الصوتي والمرئي وتوطين المحتوى والمهام الروتينية في سير العمل، فيما ترتفع نفقات أخرى ترتبط برسوم تراخيص النماذج وقدرات الحوسبة المتطورة والبنية التحتية للبيانات والربط التقني بين الأنظمة وعمليات التوليد الرقمي المتكررة واستقطاب الكفاءات المتخصصة وحقوق الملكية الفكرية.

ولذلك تبدو اقتصاديات نماذج الإنتاج الناشئة المدفوعة بالذكاء الاصطناعي أعقد من مجرد خفض مباشر في تكاليف الإنتاج. وتؤكد تحليلات الأثر الحالية أن الجدوى التجارية للمشروعات تتوقف في المقام الأول على قدرة الوفر المحقق في مدخلات الإنتاج التقليدية على موازنة تكاليف التقنية المستحدثة.

التداعيات بالنسبة للإعلام العربي

ستحتاج المؤسسات الإعلامية إلى فهم أعمق وأدق لاقتصاديات كل تطبيق من تطبيقات الذكاء الاصطناعي على حدة؛ فالرابح في السوق لن يكون من يتبنّى التقنية في أكبر عدد من الأنشطة والمهام بلا تمييز، بل من يحدد المواضع التي يحسّن فيها الذكاء الاصطناعي الكفاءة الاقتصادية لأعماله، ويرصد المواطن التي تفوق فيها تكاليف التقنية والتطبيق والإشراف البشري القيمة الناتجة منها.

وقد يعيد ذلك رسم أولويات الاستثمار؛ فبدلًا من تمويل أدوات مفردة ومشاريع تجريبية متفرقة بلا ترابط، ستجد المؤسسات نفسها مطالبة تدريجيًا بالاستثمار في منصات ذكاء اصطناعي مشتركة، ونماذج قابلة لإعادة الاستخدام، وأسس منظومة بيانات متكاملة، وقدرات مؤسسية تدعم مجالات أعمال متعددة.

وعليه ينتقل السؤال الجوهري المطروح على القيادات الإعلامية من «ما حجم التكاليف التي يمكن للذكاء الاصطناعي إلغاؤها؟» إلى «كيف ينبغي أن يكون الهيكل الاقتصادي المستقبلي للإعلام، وأين يُعاد توجيه رأس المال لبناء ميزات تنافسية مستدامة؟».

التحول الجوهري: من خفض تكاليف الإنتاج إلى إعادة تصميم الهيكل الاقتصادي للإعلام.

5. تحول الثقة وأصالة المحتوى إلى أصول لبناء الميزة التنافسیة

مع التطور المتسارع للمواد الإعلامية الاصطناعية والمحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي وتزايد غزارته في الفضاء الرقمي، سيجد الجمهور صعوبة متنامية في تبيّن ما إذا كانت المادة الإعلامية أصيلة، أم معدَّلة، أم مولَّدة رقميًا بالكامل.

ويخلق ذلك معضلة بالغة الأهمية لقطاع الإعلام؛ فالتقنيات نفسها التي تتيح زيادة حجم الإنتاج وتخصيص المحتوى وتوسيع الطاقة الإبداعية تزيد أيضًا احتمالات ظهور المواد المعدَّلة والمعلومات المضللة، وإساءة استخدام هويات الأفراد وسمعتهم بلا إذن، وغياب اليقين في مصادر المحتوى وصحة إسنادها.

ولذلك لا تقتصر حركة السوق اليوم على تزايد الحاجة إلى الأطر واللوائح التنظيمية وحوكمتها، بل تتحول أصالة المحتوى نفسها إلى أصل نادر كلما اشتد تدفق المحتوى الاصطناعي. وتشير الرؤى الحالية بالفعل إلى تصاعد الأهمية الاستراتيجية لتحديد المصادر والتحقق من المحتوى والإفصاح والشفافية عبر بطاقات وبيانات توضيحية صريحة، خصوصًا مع عجز الجمهور تدريجيًا عن التمييز بين المادة الأصيلة وتلك التي خضعت للتعديل والتلاعب.

التداعيات بالنسبة للإعلام العربي

يمكن للثقة أن تغدو ركيزة تتعاظم أهميتها في تحقيق التمايز وبناء ميزات تنافسية ملموسة.

فالمؤسسات الإعلامية الراسخة تملك مقومات يعجز الذكاء الاصطناعي عن صناعتها أو محاكاتها: المسؤولية التحريرية، والعلامات الإعلامية الموثوقة، والمعايير المهنية المستقرة، والعلاقات الممتدة طويلًا مع الجماهير.

ويكتسب هذا المبدأ أهمية استثنائية في الصحافة ومؤسسات الأخبار، غير أن أثره يمتد إلى الترفيه والمحتوى التوعوي والمواد التسويقية للعلامات التجارية، خصوصًا مع تحوّل الشخصيات الافتراضية والأصوات الاصطناعية والقوالب المولَّدة بالذكاء الاصطناعي إلى ممارسة شائعة في الفضاء الإعلامي.

وتستطيع المؤسسات القادرة على إثبات مصادر محتواها وطرق إنتاجه والجهة التحريرية البشرية المسؤولة عنه أن تعزز ثقة الجمهور وتعمّق ارتباطه بها، في وقت يتعثر فيه المنافسون وسط محيط من المخرجات الاصطناعية التي يصعب تمييزها.

ومن هنا لا ينبغي النظر إلى الثقة أداةً للتدقيق والامتثال أو ضمانةً لحماية السمعة الوطنية فحسب، بل يلزم التعامل معها جزءًا أصيلًا من القيمة الاستراتيجية والمقترح الإبداعي التجاري الذي يقدمه المنتج الإعلامي نفسه.

التحول الجوهري: من الثقة كأداة للتدقيق وحماية السمعة إلى الثقة كأصل لبناء الميزة التنافسية.

خلاصة التحولات الخمسة وتكاملها

تؤكد هذه التحولات مجتمعةً أن الذكاء الاصطناعي لن يكتفي بجعل صناعة الإعلام القائمة أسرع وتيرة أو أقل إنفاقًا، بل بدأ فعلًا يغيّر الركائز التي تُبنى عليها الميزات التنافسية في صلب هذا القطاع.

فمع وفرة المحتوى تنتقل القيمة تدريجيًا إلى التمايز والتفرد. ومع تذليل عقبات الدخول تتعاظم الأهمية الاستراتيجية للسرعة والمرونة وتنسيق المنظومة كلها. ومع سهولة الوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي تغدو الأصول الإقليمية الحصرية أشد حيوية. ومع تلاقي مراكز التكلفة التقليدية والتقنية تصير المؤسسات مطالبة بإعادة التفكير في الهيكل الاقتصادي لإنتاجها الإعلامي. ومع انتشار المحتوى الاصطناعي تتعاظم قيمة الثقة تحديدًا، لصعوبة إثبات أصالة المحتوى.

أما تداعيات هذا التحول على قادة الإعلام العربي فتتجاوز مسألة تبنّي تقنيات الذكاء الاصطناعي وتطبيقها؛ إذ ستكون المؤسسات الأكثر جاهزية للمرحلة المقبلة تلك التي توظف هذه التقنيات لتعزيز مكامن تفردها، وتعيد في الوقت نفسه تصميم القدرات والهياكل الاقتصادية والخيارات التشغيلية اللازمة للمنافسة والنمو في بيئة إعلامية مختلفة جوهريًا.

02.

تنامي دور الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام في العالم العربي

2.1

تنامي الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام ليواكب سوق الذكاء الاصطناعي ككل

مع اتساع تطبيقات الذكاء الاصطناعي من حالات استخدام متفرقة إلى تحول أشمل يمتد عبر سلسلة القيمة الإعلامية، ينمو حجم الإنفاق عليها نموًا مطردًا.

ويتناول هذا القسم أولًا موقع منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في السوق العالمي للذكاء الاصطناعي في الإعلام، ثم يفصّل ملامح نمو الإنفاق على هذه التقنية في أبرز الأسواق العربية.

الذكاء الاصطناعي عنصرًا جوهريًا في استثمارات تكنولوجيا الإعلام

تشير التقديرات إلى أن قطاع الإعلام والترفيه العالمي يحقق إيرادات سنوية تناهز 2 تريليون دولار أمريكي، تشمل وسائل الإعلام التقليدية والرقمية معًا.

وتدل المؤشرات المرجعية للقطاع على أن المؤسسات الإعلامية تخصص عادة نحو 5% من إيراداتها لميزانيات تكنولوجيا المعلومات، أي إن الإنفاق العالمي على تكنولوجيا الإعلام يبلغ نحو 95 إلى 100 مليار دولار أمريكي. ومع أن هذا الرقم يغطي طيفًا واسعًا من النفقات، تشير التقديرات إلى أن الإنفاق المرتبط تحديدًا ببرمجيات الذكاء الاصطناعي وما يرافقها من خدمات التنفيذ والخدمات المدارة يتراوح بين 15 و16 مليار دولار أمريكي.

وتزداد صعوبة تحديد حدود الإنفاق على الذكاء الاصطناعي، لاندماج إمكاناته في تطبيقات السحابة الرقمية ومنصات البيانات والبرمجيات المؤسسية وبرامج تحديث التكنولوجيا. ولذلك يُرجَّح أن تتجاوز التكلفة الاقتصادية الإجمالية لتمكين الذكاء الاصطناعي وتشغيله في المؤسسات الإعلامية حجمَ سوق برمجيات الذكاء الاصطناعي وخدماته الذي يتناوله هذا التقرير.

استثمارات الذكاء الاصطناعي في الإعلام توازي سوق الذكاء الاصطناعي الأشمل على أقل تقدير

تشير تقديرات السوق المتاحة إلى أن الإنفاق على برمجيات الذكاء الاصطناعي وخدماته في قطاع الإعلام تضاعف تقريبًا منذ عام 2024، بما يعكس نموًا سنويًا يقارب 40% خلال هذه الفترة.

وسيتوقف المسار الدقيق لهذا التوجه مستقبلًا على كيفية تعريف الإنفاق على الذكاء الاصطناعي وتصنيفه. ومع ذلك، تشير تقديرات السوق الأوسع عمومًا إلى أن الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام سينمو موازيًا لسوق الذكاء الاصطناعي الأشمل على أقل تقدير، مع احتمال أن يسجل معدلات نمو أسرع في أجزاء محددة من سلسلة القيمة.

وتعكس هذه التوقعات مكانة الإعلام بوصفه أحد القطاعات المتصدرة لمسيرة تبنّي الذكاء الاصطناعي. فأثر الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على إنتاجية المؤسسات، بل يشمل المنتجات الأساسية واقتصاديات القطاع، من صناعة المحتوى وتوطينه إلى تخصيصه واكتشافه وتحليل سلوك الجمهور وتحقيق الإيرادات وتطبيقات سير العمل التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي الوكيل اعتمادًا متزايدًا.

ومع انتقال التبنّي من التجريب إلى الاندماج في تطبيقات سير العمل الجوهرية، يُتوقع أن يبقى زخم الاستثمار في الذكاء الاصطناعي داخل قطاع الإعلام مرتفعًا مقارنةً بقطاعات أخرى كثيرة، بحكم التحولات الهيكلية التي يشهدها القطاع.

أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تتقدم على السوق العالمي بفارق بسيط

في ضوء السياق الأوسع للإنفاق على الذكاء الاصطناعي ضمن ميزانيات تكنولوجيا المعلومات في قطاع الإعلام، يبيّن المشهد الجغرافي أن هذا الإنفاق يتوسع في المناطق الرئيسية جميعها، وأن أسواق الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تتقدم بفضل وتيرة نموها المرتفعة. ومع أن المنطقة تمثل اليوم حصة صغيرة نسبيًا من إجمالي الإنفاق العالمي على الذكاء الاصطناعي في الإعلام، يُتوقع أن تنمو أسواقها بمعدل نمو سنوي مركب يتجاوز المتوسط العالمي بنسبة 3%، وهو ما يضعها في مصاف أسرع المناطق نموًا في العالم.

ويقوم مسار النمو هذا على الأولوية التي توليها حكومات المنطقة للذكاء الاصطناعي عبر الاستراتيجيات الوطنية ومبادرات الاقتصاد الرقمي والاستثمار في البنية التحتية، وعلى توسيع المؤسسات والكوادر الإعلامية نطاق التجريب ودمجها إمكانات جديدة عبر سلسلة القيمة الإعلامية. وتشير هذه التطورات مجتمعةً إلى نقلة متسارعة نحو مستويات أعلى من النضج في استخدام الذكاء الاصطناعي عبر المنظومة الإعلامية، إذ تنتقل المؤسسات من التجريب المبكر إلى تبنٍّ أكثر تنظيمًا وتكاملًا وقابلية للتوسع.

الشكل 06: تقديرات إنفاق شركات الإعلام حول العالم على الذكاء الاصطناعي (مليار دولار أمريكي)
8.2 مليار دولار أمريكي
2024
11.8 مليار دولار أمريكي
2025
15.9 مليار دولار أمريكي
2026
الشكل 06: تقديرات إنفاق شركات الإعلام حول العالم على الذكاء الاصطناعي (مليار دولار أمريكي)
المنطقة202420252026
أمريكا الشمالية2.974.165.49
أوروبا2.543.634.88
آسيا والمحيط الهادئ1.952.894.04
أمريكا اللاتينية0.450.660.90
الشرق الأوسط وشمال إفريقيا0.260.380.52
بقية دول إفريقيا0.050.070.09

وبالنظر تحديدًا إلى منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ما يزال الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام متركزًا في الأسواق الخليجية الأكثر نضجًا؛ إذ تُقدَّر حصة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في عام 2026 بنحو نصف إجمالي الإنفاق الإقليمي، تسهم السعودية منها بنحو الربع، والإمارات بما يقارب الخمس.

وفي الوقت نفسه، تبرز وتيرة نمو أسرع في الأسواق التي ما تزال في المراحل المبكرة من منحنى التبنّي. فمع أن دولًا مثل مصر والمغرب تمثل اليوم حصة أصغر من إجمالي الإنفاق الإقليمي، تدل اتجاهات النمو القوية فيها على أن تبنّي الذكاء الاصطناعي بدأ يتسع خارج منطقة الخليج، خصوصًا مع اتساع الوصول إلى الإمكانات التقنية وتوسع المؤسسات الإعلامية في التجريب والتطبيق.

وتظل الآفاق المستقبلية عمومًا تشير إلى ريادة منطقة الخليج، مع توقعات بأن تواصل السعودية والإمارات قيادة الإنفاق الإقليمي على الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام. غير أن فرص النمو على المدى الأبعد صارت أوسع توزعًا في أنحاء الشرق الأوسط وشمال إفريقيا كلها، مع تقدم الأسواق الأخرى نحو مستويات أعلى من النضج التقني.

الشكل 07: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الذكاء الاصطناعي (مليون دولار أمريكي)
260 مليون دولار أمريكي
2024
380 مليون دولار أمريكي
2025
520 مليون دولار أمريكي
2026
الشكل 07: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الذكاء الاصطناعي (مليون دولار أمريكي)
السوق202420252026
بقية دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا86.5127.7179.6
السعودية68.699.3137.4
الإمارات46.267.794.7
مصر19.929.641.8
قطر18.326.336.2
المغرب10.715.822.1
لبنان6.59.112.0

استثمارات الذكاء الاصطناعي تنتقل من التركيز على الأدوات إلى التنفيذ والتوسع في نطاق التطبيق

ومع توسع الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في أنحاء المنطقة، تنتقل المؤسسات من اقتناء التكنولوجيا إلى دمج الذكاء الاصطناعي في صلب عملياتها الإعلامية. وتشمل برمجيات الذكاء الاصطناعي أدوات إنشاء المحتوى وتوزيعه وتحليل بيانات الجمهور وأتمتة سير العمل، فيما توفر خدماته الخبرات اللازمة لتطبيق هذه التقنيات وتشغيلها وتوسيع نطاقها.

وتنقسم هذه الخدمات عادةً إلى فئتين رئيسيتين: الخدمات الاحترافية والخدمات المدارة. فالخدمات الاحترافية تشمل الاستشارات والتوجيه، والتنفيذ والتطبيق، والدعم والصيانة، والتدريب والتمكين. أما الخدمات المدارة فتعني التشغيل والتطوير المستمرَّين للحلول المدعومة بالذكاء الاصطناعي، تتولاهما جهات خارجية لحساب المؤسسة الإعلامية.

وتشير بيانات عام 2026 إلى أن البرمجيات ما تزال تستأثر بالحصة الأكبر من استثمارات الذكاء الاصطناعي.

الشكل 08: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الذكاء الاصطناعي حسب النوع، 2026
الشكل 08: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الذكاء الاصطناعي حسب النوع، 2026
الفئةالحصة (%)
البرمجيات62%
الخدمات38%

أما البرمجيات فيظل الإنفاق فيها متركزًا في الإمكانات التي تدعم صناعة المحتوى وتوزيعه دعمًا مباشرًا؛ إذ يستأثر توزيع المحتوى اليوم بما يقارب ثلث إجمالي الإنفاق على البرمجيات في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، يليه إنشاء المحتوى. ويمثل المجالان معًا ما يقارب 60% من الإنفاق على البرمجيات، وهو ما يعكس استمرار التركيز على توظيف الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى وتحسين قنوات وصوله إلى الجمهور.

الشكل 09: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على برمجيات الذكاء الاصطناعي، مصنفة حسب النوع، 2026
الشكل 09: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على برمجيات الذكاء الاصطناعي، مصنفة حسب النوع، 2026
الفئةالحصة (%)
توزيع المحتوى32%
إنشاء المحتوى26%
تحليل بيانات الجمهور20%
أتمتة سير العمل14%
برمجيات أخرى8%

ومع بلوغ تبنّي الذكاء الاصطناعي مراحل أنضج، يُتوقع أن يتسع الإنفاق ليشمل الإمكانات التي تدمج الذكاء الاصطناعي دمجًا أعمق في العمليات الإعلامية. ويُرجَّح أن يحتفظ إنشاء المحتوى وتوزيعه بأهميتهما، مع توقعات بتزايد التركيز على تحليل بيانات الجمهور وأتمتة سير العمل وتعزيز تكامل الذكاء الاصطناعي عبر مختلف العمليات التحريرية والإنتاجية والتجارية.

وقد برز هذا التحول فعلًا في الأسواق الإعلامية الأكثر تقدمًا في المنطقة، إذ أخذت المؤسسات الرائدة تنتقل من التركيز على أدوات الذكاء الاصطناعي المستقلة إلى تعزيز تكامل التقنية في مراحل إنتاج المحتوى وتوزيعه وتحقيق الإيرادات منه.

وامتدادًا للتوقعات المستقبلية في شأن البرمجيات، يشير أداء سوق الخدمات إلى تحول مماثل من مراحل التبنّي الأولى إلى تطبيق أكثر استدامة واندماجًا. فبيانات عام 2026 تدل على أن الخدمات الاحترافية تستأثر بالحصة الأكبر من الإنفاق على خدمات الذكاء الاصطناعي في الإعلام، وهي حصة تفوق ما تمثله الخدمات المدارة في أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

ويعكس ذلك حاجة متصلة إلى الخبرات المتخصصة، فيما تسعى المؤسسات الإعلامية إلى ترتيب أولوياتها في الذكاء الاصطناعي، ودمج تقنيات جديدة في عملياتها التشغيلية القائمة وتفعيلها. وما تزال المؤسسات في هذه المرحلة بحاجة إلى دعم كبير في الاستراتيجية وترتيب أولويات حالات الاستخدام والتنفيذ وإدارة التغيير.

الشكل 10: تقديرات الإنفاق على خدمات الذكاء الاصطناعي في الإعلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصنفة حسب النوع، 2026 الشكل 10: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على خدمات الذكاء الاصطناعي، مصنفة حسب النوع، 2026
الشكل 10: تقديرات الإنفاق على خدمات الذكاء الاصطناعي في الإعلام في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا مصنفة حسب النوع، 2026 الشكل 10: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على خدمات الذكاء الاصطناعي، مصنفة حسب النوع، 2026
الفئةالحصة (%)
الاستشارات والتوجيه27%
التنفيذ والتطبيق15%
الدعم والصيانة11%
التدريب والتمكين9%
الخدمات المدارة39%

ومع بلوغ تبنّي الذكاء الاصطناعي مراحل أنضج، يُتوقع أن يتطور دور الخدمات الاحترافية لا أن يتراجع، مع ترجيح انتقال التركيز الأكبر إلى تكامل الأنظمة، وهندسة البيانات والتكنولوجيا، وتصميم النماذج التشغيلية، وإعادة تصميم تطبيقات سير العمل. ويشير ذلك إلى انتقال أوسع نطاقًا في أنحاء المنطقة، إذ تبتعد المؤسسات الإعلامية عن أدوات الذكاء الاصطناعي المنفردة والنماذج التجريبية المعزولة إلى ذكاء اصطناعي مندمج اندماجًا أعمق في عمليات المؤسسة الرئيسية وآليات عملها.

ويُرجَّح في الوقت نفسه أن تزداد أهمية الخدمات المدارة مع تعمق دمج الذكاء الاصطناعي في تطبيقات سير العمل الحيوية للأعمال؛ فتوظيفه في مراحل الإنتاج يستحدث متطلبات تتصل بتشغيل المنصة وتحسين سير العمل والرصد والأمن والحوكمة والوصول إلى الإمكانات المتخصصة.

وتتطور نماذج الخدمات المدارة فعلًا في أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، فتنتقل من أنشطة منفصلة تديرها أطراف خارجية إلى دعم أكثر تكاملًا تسنده التكنولوجيا. ويبرز نمط مماثل في قطاع الإعلام، إذ يتزايد توجه المؤسسات إلى التعاون مع شركاء خارجيين في التكنولوجيا والخدمات المتخصصة، للإعانة على تطبيق المنصات وتطبيقات سير العمل المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتشغيلها عبر مهام إنتاج المحتوى والتحليل والبيانات الوصفية والتوزيع وسواها.

ويُرجَّح كذلك أن تتزايد أهمية تمكين الكوادر العاملة وحوكمة الذكاء الاصطناعي حوكمةً مسؤولة، بوصفهما مكوّنين ثابتين في المشهد الخدماتي؛ فمع تعمق دمج أدوات الذكاء الاصطناعي في تطبيقات سير العمل الإعلامي، تحتاج المؤسسات إلى تطوير المهارات اللازمة لاستخدام هذه الأدوات بكفاءة، وإعادة صياغة آليات العمل، وترسيخ الضوابط الملائمة في مسائل كالدقة والملكية الفكرية والشفافية ونزاهة المحتوى. وتولي المبادرات في الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية أهمية كبرى بالفعل للتدريب على استخدام الذكاء الاصطناعي وبناء القدرات التنفيذية وأطر الاستخدام المسؤول في مجال الإعلام، وتبرز جهود مماثلة في بناء القدرات في بقية دول المنطقة.

وتشير هذه المعطيات مجتمعةً إلى اتساع دورة حياة خدمات الذكاء الاصطناعي مع تزايد نضج السوق الإقليمي؛ فبدلًا من أن تنحصر الخدمات في اختيار التقنيات الجديدة وتنفيذها، يُرجَّح أن يمتد الإقبال عليها إلى تكامل التقنيات وتحول النماذج التشغيلية والإدارة المستمرة وبناء قدرات الكوادر الإعلامية.

وعليه يعكس تطور سوق الخدمات مسار سوق البرمجيات؛ فمع انتقال الذكاء الاصطناعي من الأدوات المستقلة إلى دور أكثر اندماجًا عبر المؤسسات الإعلامية، يُرجَّح أن تتطور منظومة الخدمات الداعمة فتغدو أكثر استمرارية وتخصصًا، وأوثق تكاملًا مع العمليات اليومية.

2.2

تبني الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي

تدل بيانات الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في المنطقة على أن المؤسسات الإعلامية بدأت فعلًا تخصص لهذه التقنية موارد ملموسة. غير أن مستوى الإنفاق وحده لا يكشف مدى التوسع في توظيف الذكاء الاصطناعي ولا عمق دمجه في العمليات الإعلامية اليومية.

ولذلك ينتقل هذا الجزء من التقرير من مواطن إنفاق المؤسسات على الذكاء الاصطناعي وأحجامه، إلى النظر عن قرب في كيفية ترجمة هذا الإنفاق تبنّيًا حقيقيًا للتقنية. ويبدأ بتقييم مراحل التبنّي في أبرز الأسواق الإعلامية العربية ليرسم صورة على مستوى الأسواق، تكمّلها رؤى العاملين في مجال الإعلام في دولة الإمارات العربية المتحدة التي يتناولها الجزء التالي.

معدلات تبنّي الذكاء الاصطناعي هي الأعلى في منطقة الخليج، لكنها ما تزال متفاوتة في أنحاء المنطقة

بلغت معدلات تبنّي الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي مستويات مرتفعة في أسواق عدة، على تفاوت كبير في عمق التنفيذ والتطبيق. ويُعرَّف التبنّي في هذا التقييم الأساسي بأنه نسبة المؤسسات الإعلامية التي توظف الذكاء الاصطناعي في سير عمل تشغيلي واحد على الأقل، ضمن إنتاج المحتوى أو العمليات التحريرية أو تعزيز تفاعل الجمهور أو ترجمة المحتوى وتوطينه أو أتمتة الإنتاج أو تحليلات المحتوى.

الشكل 11: مقياس تبني الذكاء الاصطناعي في الإعلام
2026

منخفضمرتفع

  • الإمارات
    75%
  • السعودية
    70%
  • قطر
    65%
  • مصر
    40%
  • لبنان
    35%
2030

منخفضمرتفع

  • الإمارات
    95% +
  • السعودية
    95% +
  • قطر
    90-95%
  • مصر
    75-80%
  • لبنان
    60-65%
الشكل 11: مقياس تبني الذكاء الاصطناعي في الإعلام
السوق20262030
الإمارات75%95% +
السعودية70%95% +
قطر65%90-95%
مصر40%75-80%
لبنان35%60-65%

وتستند تقديرات معدلات التبنّي إلى دراسات أولية شملت شركات الإعلام والعاملين في القطاع في أنحاء منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، تدعمها دراسات ثانوية تتناول تبنّي الذكاء الاصطناعي ومستجدات الأسواق على مستوى الدول.

وتسجل دولة الإمارات اليوم أعلى تقديرات التبنّي بين الأسواق التي خضعت للتقييم، بنحو 75% في عام 2026، تليها السعودية بنسبة 70%، ثم قطر بنسبة 65%. أما مصر فما تزال في مراحل التبنّي المبكرة، بنحو 40%، وهو ما يعكس فجوة واسعة بين التجريب الفردي والتطبيق المؤسسي الأكثر تنظيمًا.

وتشير النظرة المستقبلية إلى تعمق مستويات التبنّي مع توسع النماذج التجريبية القائمة وانتقال التطبيق من الدوائر المؤسسية إلى قاعدة إنتاج أوسع. ويُقدَّر أن يتجاوز معدل تبنّي الذكاء الاصطناعي بحلول عام 2030 نسبة 95% في الإمارات والسعودية، وأن يبلغ بين 90 و95% في قطر، وأن يرتفع إلى ما بين 75 و80% في مصر. وتدل هذه التقديرات على ميل تدريجي نحو تبنٍّ مؤسسي أشمل في منطقة الخليج. أما الأسواق التي انطلقت من مستويات أدنى فيُتوقع أن تحرز تقدمًا يرتبط بتطور إمكاناتها المؤسسية وبناها التحتية وجاهزية كوادرها الإعلامية.

وإلى جانب مستويات التبنّي الإجمالية، تشير الأدلة إلى اختلافات في كيفية توظيف الذكاء الاصطناعي بين سوق وأخرى؛ إذ تبرز تطبيقات صناعة المحتوى، وترجمته وتوطينه، ودعم غرف الأخبار، وتحليلات بيانات الجمهور، وأتمتة سير العمل، بوصفها أوسع مجالات التطبيق انتشارًا، على تفاوت في عمق التطبيق واتساع نطاقه من دولة إلى أخرى.

وتتفوق السعودية وقطر في تبنّي تطبيقات الترجمة وغرف الأخبار وسير العمل، فيما تتصدر دولة الإمارات في شمول محفظة تبنّي الذكاء الاصطناعي، وفي التطور الملموس خاصة في المواد الإعلامية الاصطناعية، التي تشمل توظيف المتحدثين المدعومين بالذكاء الاصطناعي والشخصيات الافتراضية التي يولّدها، في التواصل المؤسسي والسرد الرقمي. أما مصر فما تزال في مراحل النضج المؤسسي المبكرة، إذ يتركز تبنّي الذكاء الاصطناعي فيها اليوم في صناعة المحتوى وتطبيقات غرف الأخبار.

أما في بقية دول منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فيبدو التبنّي أشد تفاوتًا وأقل نضجًا عمومًا. وتشير الأدلة المتاحة من أسواق بلاد الشام وشمال إفريقيا إلى أن استخدام الذكاء الاصطناعي يزداد انتشارًا في صناعة المحتوى ودعم غرف الأخبار وتطبيقات سير العمل الرقمية، غير أن هذا التبنّي تدفعه جهود فردية من العاملين في القطاع أو من فرق محدودة، ولا تسنده جهود دمج على مستوى المؤسسات. ومن أبرز القيود الشائعة هنا فجوات في التدريب والوصول إلى الأدوات والدعم المؤسسي، وهو ما يدل على أن التجريب يتقدم أسرع من الإمكانات اللازمة للتوسع في التبنّي توسعًا متسقًا داخل المؤسسات الإعلامية.

ويحرز تبنّي الذكاء الاصطناعي في الإعلام العربي عمومًا تقدمًا، لكن على مستويات متفاوتة من النضج المؤسسي. فأسواق الخليج الأكثر تطورًا، وهي السعودية والإمارات وقطر، تتجه على نحو متزايد إلى دمج الذكاء الاصطناعي في تطبيقات متعددة لسير العمل الإعلامي، فيما ما تزال أسواق عربية أخرى في مسار ينقلها من التجريب الفردي وتجريب الدوائر المؤسسية إلى تطبيق مؤسسي أكثر تنظيمًا. ويقدّم القسم الفرعي التالي صورة أوفى لهذا التحليل على مستوى السوق، إذ يضم رؤى العاملين في قطاع الإعلام في دولة الإمارات، فيتناول تواتر استخدام الذكاء الاصطناعي ومواطنه، وكيف يقيّم المختصون دوره في مجالات عملهم.

03.

الفيديو

خضع مجال الفيديو في هذا التقرير للدراسة في أربعة مجالات فرعية: الأفلام والمحتوى السمعي البصري الدرامي والبرامجي، والأخبار، والبث والتلفزيون التقليدي، ومنصات البث الرقمي (OTT).

وما يزال الفيديو من أوسع أجزاء المشهد الإعلامي العربي انتشارًا وأعمقها تأثيرًا، مع توسع تبنّي منصات البث الرقمي في الأسواق الإقليمية، ونمو السينما، خاصة في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وعمل التلفزيون التقليدي على نحو متزايد جنبًا إلى جنب مع التوزيع الرقمي.

وتدخل قدرات الذكاء الاصطناعي هذا المجال، من الذكاء الاصطناعي التقليدي إلى التوليدي والوكيل، عبر طائفة واسعة من التطبيقات التي تؤثر في سلسلة القيمة كلها. غير أن نمط الاستخدام يختلف باختلاف المجالات الفرعية:

الأفلام والمحتوى السمعي البصري الدرامي والبرامجي: تتزايد تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تطوير المفهوم والأفكار الأولية، وكتابة السيناريو، وإعداد القصص المصورة الإرشادية، والمعاينة البصرية المسبقة، وتوليد الصور ومقاطع الفيديو، وبعض أنشطة المؤثرات البصرية وما بعد الإنتاج، فيما توسّع البيئات الإنتاجية المولَّدة والشخصيات الاصطناعية المؤدية نطاق أدوات الإنتاج. وفي الأفلام يدعم الذكاء الاصطناعي تحليل بيانات المشاهدين والجمهور، وتخطيط الإصدارات مع انتقال المحتوى من دور العرض السينمائي إلى القنوات الرقمية في مرحلة لاحقة.

الأخبار: تبرز تطبيقات الذكاء الاصطناعي في هذا المجال الفرعي داخل بيئات العمل الشديدة الضغط، كتفريغ النصوص وتوليد البيانات الوصفية واسترجاع المواد من الأرشيف والتلخيص وإعادة استخدام المحتوى، فيما بدأت النماذج الأقوى تكاملًا وقدرةً على الربط تصل وظائف البحث والإنتاج والتوزيع بعضها ببعض على مستوى غرف الأخبار، إلى جانب ظهور المذيعين ومقدمي البرامج المولَّدين بالذكاء الاصطناعي في ترتيبات محددة.

البث الإعلامي والتلفزيون التقليدي: تصاعد دعم الذكاء الاصطناعي لعمليات الإنتاج والتحرير وإدارة الأرشيف وسير عمل إعداد المحتوى وتطويره، ويواصل امتداده إلى جدولة البرامج والبث متعدد اللغات وتحليل بيانات الجمهور، وإلى أتمتة تضمين البيانات والحقائق المخصصة للمشاهد أو المستخدم في البث المباشر.

منصات البث الرقمي (OTT): يبرز حضور الذكاء الاصطناعي هنا خاصةً في اكتشاف المحتوى وتقديم التوصيات، فيما تمتد التطبيقات الناشئة إلى البحث الحواري والإشراف على المحتوى وتوطينه والواجهات المتكيفة مع المستخدمين، وإلى القرارات التجارية والتحليلية المتصلة بالجمهور.

3.1

الذكاء الاصطناعي يصوغ مشهدًا جديدًا لمجال الفيديو على مستوى سلسلة القيمة

تزداد هذه الاختلافات وضوحًا حين يُنظر إليها من منظور سلسلة القيمة الإعلامية؛ فعبر مراحل صناعة المحتوى وتوزيعه وتحقيق الإيرادات، لا يقتصر دور الذكاء الاصطناعي على تغيير طريقة إنتاج الفيديو، بل يمتد إلى كيفية وصوله إلى فئات الجمهور وآلية اقتناص القيمة وتحقيقها في نهاية المطاف.

صناعة المحتوى: إنتاج أكثر غزارة بطرق مختلفة وسرعة أكبر

يعزز الذكاء الاصطناعي طرق تطوير محتوى الفيديو وإنتاجه وإدارته وينوّعها، من بلورة الأفكار الأولية وكتابة السيناريو إلى الإنتاج والتحرير وما بعد الإنتاج والتجميع والتصنيف. فالذكاء الاصطناعي التوليدي يدعم بلورة الأفكار وإعداد القصص المصورة الإرشادية وتطوير النصوص والسيناريوهات وصناعة الصور ومقاطع الفيديو وسائر الأصول الإنتاجية، فيما تتيح المواد الإعلامية الاصطناعية توليد بيئة التصوير والإنتاج والأصوات والمذيعين والمؤدين المولَّدين رقميًا ليكونوا جزءًا أصيلًا من المنتج النهائي. وفي الأفلام والمحتوى الدرامي قد تمتد هذه القدرات إلى المعاينة البصرية المسبقة والمؤثرات البصرية وتحوير الشخصيات وتحويلها رقميًا وتوليد تتابع المشاهد رقميًا؛ أما في الأخبار والتلفزيون التقليدي فتدعم إعداد الموجزات والمواد البصرية وإعداد البرامج، وتحويل المواد المطولة إلى محتوى قصير مخصص للنشر على المنصات الرقمية وقنوات التواصل الاجتماعي.

ويغيّر الذكاء الاصطناعي كذلك اقتصاديات الإنتاج وسرعته؛ إذ تسهم أتمتة التحرير وتفريغ النصوص وتوليد البيانات الوصفية واسترجاع المواد من الأرشيف وسائر خطوات سير العمل المتكررة في تقليص ساعات العمل اليدوي واختصار المدد اللازمة لإنجاز المشاريع، كما يحد الاعتماد على الأصول المولَّدة رقميًا من الحاجة إلى بعض مواقع التصوير والديكورات المادية والموارد الإنتاجية التقليدية. وتبرز هذه القدرات خاصةً لدى المؤسسات الإخبارية، إذ يتزايد الإقبال على ربط هذه الأدوات داخل غرف أخبار متكاملة، فتجتمع وظائف البحث والتوثيق والأرشيف والإعداد التحريري والإنتاج في سير عمل موحد مدعوم بالذكاء الاصطناعي وبالغ التنسيق. ومع بلوغ الذكاء الاصطناعي الوكيل مرحلة النضج، ستقدر الأنظمة على تنسيق مزيد من الخطوات المتعددة المتداخلة في هذه البيئات، بدلًا من الاقتصار على دعم مهام فردية منعزلة.

ومع وضوح مجالات الترشيد وتسريع العمل، تبقى اقتصاديات الإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي أقل وضوحًا وبساطة؛ وقد بدأت شركات الإنتاج تفرّق في تسعير المشاريع وهيكلة تكاليفها بين نماذج الإنتاج المدعومة بالذكاء الاصطناعي وتلك القائمة على الجهد البشري. فمع أن الإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي قد يخفض نفقات بعينها بتقليل الاعتماد على المدخلات المادية وتسريع بعض خطوات سير العمل، فهو ليس بالضرورة الخيار الأقل كلفة في كل الحالات؛ ففي إنتاج الأفلام والمحتوى السمعي البصري المعقد التفاصيل، قد ترفع عمليات التوليد الرقمي المتكررة، والتكلفة المدمجة لاشتراكات النماذج والقدرات الحوسبية واستهلاك الرموز، تكاليفَ الإنتاج ارتفاعًا ملموسًا، فتتراجع بعض وفورات الكلفة المتوقعة. ويحافظ الإنتاج البشري على قيمته حيث تشكل اللمسات الإبداعية الدقيقة والأحكام العاطفية والرؤية المتميزة ركيزة أساسية للمنتج الإعلامي، وهي جوانب ما يزال المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي يصعب عليه محاكاتها وتقديمها بالإحساس البشري نفسه.

ويفرض التوسع المستمر في عدد أدوات الذكاء الاصطناعي تحديًا تشغيليًا على شركات الإنتاج في آليات تبنّي النماذج وتطبيقها؛ إذ تحتاج فرق الإنتاج إلى وقت غير قليل لاختبار النماذج المختلفة، وفهم مكامن القوة في كل أداة جديدة، وتحديد الأدوات التي يمكن دمجها والعمل بها متزامنةً في خطوات محددة دون تخوف على النتائج والجودة. ومع أن هذا البحث والتجريب قد يبطئ وتيرة التبنّي على المدى القريب، فإنه يظل خطوة ضرورية لفهم التكلفة الحقيقية ومستويات الأداء الفعلي للنماذج، قبل أن تقرر شركات الإنتاج اعتمادها معايير موحدة عبر سير العمل الإنتاجي كله.

وأخيرًا، يغيّر الذكاء الاصطناعي طرق الإفادة من مكتبات المحتوى القائمة؛ إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي متعدد الوسائط تحليل لقطات الفيديو والتعرف على الأشخاص والمحادثات والأشياء والمشاهد، فيسهّل على فرق الإنتاج البحث والاسترجاع وإعادة استخدام المواد من مكتبات الأرشيف الضخمة عند تطوير برامج جديدة أو باقات إخبارية أو محتويات سمعية بصرية مبتكرة.

توزيع المحتوى: سهولة في إيجاد المحتوى وتخصيصه واستخدامه

يغيّر الذكاء الاصطناعي مفهوم التوزيع، فينقله من توصيل المنتج النهائي إلى عملية أذكى تشمل التنسيق والتقديم والتخصيص بحسب قناة النشر والجمهور المستهدف، وجدولة النشر، وعرض المحتوى بما يلائم مختلف فئات الجمهور. ففي منصات البث الرقمي تسهم محركات التوصية في تشكيل تجربة جديدة لاكتشاف المحتوى، فيما يتيح البحث الدلالي والحواري للمشاهدين أن يعبّروا عما يبحثون عنه بطرق أعفى وأقرب إلى الطبع. وترتقي قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل الناشئة بهذه التجربة إلى أبعد من ذلك، إذ تفسّر مقاصد المستخدمين وسلوكياتهم في مختلف التفاعلات وتحللها، ثم تزيد تدريجيًا تنسيق عرض المحتوى وإبرازه لكل مشاهد على حدة.

وصارت عمليات التوزيع لدى مؤسسات الأخبار والبث الإعلامي أكثر ديناميكية وأسرع وتيرة؛ إذ يدعم الذكاء الاصطناعي التقطيع السريع للمقاطع وصناعة المحتوى القصير المخصص للمنصات الرقمية وقنوات التواصل الاجتماعي، ويؤتمت الترجمة وإدراج النصوص التوضيحية، ويعين على تحديد كيفية تنسيق المحتوى وتقديمه ليناسب شاشات التلفزيون والمواقع الإلكترونية والتطبيقات والمنصات الاجتماعية المختلفة. ويستطيع القائمون على البث التقليدي بدورهم أن يفيدوا من أدوات تحليل بيانات الجمهور في جدولة البرامج ومواعيد النشر وتحديد قنواته المناسبة، فيما يدعم الذكاء الاصطناعي اختيار البرامج وتحديد تتابعها بناءً على سلوكيات المشاهدة المتوقعة. وبدمج هذه القدرات بالبث المباشر، يمكن توليد موجزات مؤتمتة لأهم المعلومات، وإبراز المعلومات السياقية والبيانات على الشاشة، وتقديم الميزات التفاعلية الخاصة بالفعاليات الرياضية والبرامج الحية.

ويبرز توطين المحتوى امتدادًا تتزايد أهميته في هذا التحول؛ إذ تسرّع قدرات الذكاء الاصطناعي والمواد الإعلامية الاصطناعية الترجمة والدبلجة وتوليد الأصوات ومزامنة حركة الشفاه، ويمكن في الوقت نفسه تخصيص المحتوى تلقائيًا ليناسب مختلف القنوات والقوالب، كالمقاطع القصيرة لشبكات التواصل الاجتماعي، أو فيديوهات الهاتف المحمول العمودية، أو الإعلانات الترويجية المخصصة لمنصات بعينها.

أما في الأفلام فتبقى السينما قناة توزيع رئيسية إلى جانب منصات البث الرقمي والنوافذ الرقمية الأخرى. وتدعم أدوات تحليل بيانات الجمهور والطلب، المدعومة بالذكاء الاصطناعي، القرارات المتصلة بتوقيت الإصدار وترتيب أولويات الأسواق والأنشطة الترويجية، وإن ظل العرض السينمائي نفسه قائمًا في المقام الأول على نموذج التوزيع المادي.

ونتيجة ذلك كله مسار أسرع وأذكى يربط المنتج النهائي بفئات الجمهور في الأسواق كلها، وبمختلف اللغات والقنوات والمنصات.

تحقيق الإيرادات من المحتوى: بيانات الجمهور كخطط تجارية قابلة للتنفيذ

يعزز الذكاء الاصطناعي فرص تحقيق الإيرادات، إذ يمكّن المؤسسات الإعلامية من فهم فئات الجمهور فهمًا أفضل، وتحسين قراراتها التجارية، وربط المحتوى بفرص الإيرادات المتاحة. وتستطيع أدوات تحليل بيانات الجمهور أن تحدد أنماط المشاهدة والتفضيلات ومؤشرات التفاعل، فتسهم في صياغة استراتيجيات الإعلانات والاشتراكات، وتطوير الخطط البرامجية، والاحتفاظ بنسب المشاهدة، وتخطيط مواعيد النشر وإصدار المحتوى. ومع تزايد حضور الذكاء الاصطناعي في إنتاج المادة الإعلامية نفسها، قد يبدأ أيضًا في التأثير في كيفية تقييم الجمهور والمشترين لقيمة أنواع المحتوى المختلفة.

وفي البث الإعلامي والتلفزيون التقليدي، يدعم الذكاء الاصطناعي تصنيف فئات الجمهور، ويشارك في تخطيط الإعلانات الموجهة، وتحسين مخزون المساحات الإعلانية، وتعزيز المشاهدات، عبر الإسهام في تحديد المساحات الإعلانية الواجب تخصيصها وأوقات عرضها وفئات الجمهور المستهدفة بها. وتسهم معطيات بيانات الجمهور القائمة على الذكاء الاصطناعي في توجيه قرارات شراء المساحات الإعلانية وتوزيعها، بتحسين التوافق بين فئات الجمهور والبرامج والأهداف الإعلانية.

أما منصات البث الرقمي فتعين بيانات الجمهور المباشرة فيها على دعم أنظمة التوصية ومحركاتها، والتنبؤ بفرص إلغاء الاشتراكات، والاحتفاظ بنسب المشاهدة، وتحسين وصول الإعلانات، وتحليل القيمة المحققة من العملاء، فتنشأ طبقة تجارية أوثق ترابطًا بتجربة المشاهدة. ومع نضج هذه القدرات، سيتزايد اعتماد المنصات على الذكاء الاصطناعي في تحديد المقترحات أو العروض أو التجارب الأنسب لكل فئة من فئات الجمهور على حدة.

وفي الأفلام، تدعم أدوات تحليل بيانات الجمهور قرارات النشر والتسويق، فيما تبقى إيرادات شباك التذاكر الآلية الأساس في تحقيق الإيرادات للأعمال السينمائية؛ إذ يعين الذكاء الاصطناعي شركات الإنتاج والتوزيع على فهم حجم الطلب لدى فئات الجمهور فهمًا أدق، وتحسين طرق تسويق الأفلام ونشرها.

وقد يؤثر الذكاء الاصطناعي كذلك في القيمة التقديرية لمحتوى الفيديو نفسه؛ فمع تزايد وعي الجمهور والمشترين بكيفية إنتاج المحتوى، قد لا يُقيَّم الإنتاج البشري والإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي تقييمًا واحدًا دائمًا. ففي الأفلام والوثائقيات الضخمة والمواد الإبداعية المميزة، قد تحمل البصمة البشرية في التأليف والتمثيل والحرفية الفنية قيمة إضافية، خصوصًا حين تسهم في تشكيل الجودة العاطفية أو الثقافية أو الفنية للتجربة الإعلامية. ومن شأن ذلك أن ينشئ سوقًا أكثر تنوعًا وتمايزًا، لا يُنظر فيها بالضرورة إلى المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي والمحتوى القائم على الجهد البشري نظرةً واحدة، ولا يُسعَّران بالقيمة نفسها.

ويستطيع الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه أن يزيد القيمة التجارية للملكية الفكرية القائمة؛ فمتى حُوّلت مكتبات الأرشيف الفني والبرامج إلى ملفات رقمية، وصُنّفت وفُهرست على نحو يجعلها قابلة للبحث، أمكن تحديد المحتوى وتنسيق تقديمه وإعادة استخدامه وترخيصه على نحو أكثر منهجية، بدلًا من أن تبقى تلك المكتبات مخازن جامدة.

الشكل 12: مجالات التغيير التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في سلسلة قيمة مجال الفيديو بحسب المجالات الفرعية – تطبيقات الذكاء الاصطناعي
المجال الفرعيصناعة المحتوىتوزيع المحتوىتحقيق الإيرادات

الأفلام والمحتوى السمعي البصري الدرامي والبرامجي

  • بلورة الأفكار وكتابة السيناريو وإعداد القصص المصورة الإرشادية بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • المعاينة البصرية المسبقة وتطوير الأفكار الأولية بدعم من الذكاء الاصطناعي التوليدي.
  • تسريع المؤثرات البصرية وعمليات التحرير ومرحلة ما بعد الإنتاج بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • توليد البيئات الإنتاجية والشخصيات والأصوات وتتابع المشاهد الاصطناعية رقميًا.
  • البحث في الأرشيف وإعادة استخدام لقطات ومواد المحتوى بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة لصناعة المحتوى القصير والأصول الإنتاجية الترويجية.
  • الأتمتة الكاملة لإدراج النصوص التوضيحية والترجمة وتوطين المحتوى.
  • الدبلجة بالذكاء الاصطناعي وتوليد النسخ متعددة اللغات المتزامنة مع حركة الشفاه.
  • الأتمتة الكاملة لإنتاج العروض الترويجية والمقاطع القصيرة والقوالب المخصصة للمنصات الرقمية.
  • توليد موجزات مؤتمتة لأهم المعلومات للمنافسات الرياضية والبرامج الأخرى.
  • تقديم التجارب التفاعلية والمخصصة للمحتوى السمعي البصري.
  • توظيف أدوات تحليل بيانات الجمهور في اتخاذ قرارات النشر والرعاية والخطط التجارية.
  • تحليل حجم الطلب لدى فئات الجمهور والمؤشرات التشغيلية لشباك التذاكر.
  • تنسيق تقديم أدلة محتويات الكتالوج وإعادة استخدام المواد وترخيصها بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • تحليل مؤشرات أداء المحتوى لتوجيه عمليات التعاقد والإنتاج المستقبلي.

الأخبار

  • إجراء الأبحاث وعمليات التلخيص وإعداد النصوص والسيناريوهات بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة لتفريغ النصوص وتوليد البيانات الوصفية واسترجاع المواد من الأرشيف.
  • إعداد المواد البصرية والمحتوى الإخباري القصير بدعم من الذكاء الاصطناعي التوليدي.
  • بناء خطوات سير عمل متكاملة ومدعومة بالذكاء الاصطناعي في غرف الأخبار.
  • تقنيات رصد التزييف العميق والتحقق من صحة وموثوقية المحتوى.
  • التنسيق الذكي لمهام غرف الأخبار المتعددة بدعم من الذكاء الاصطناعي المساعد.
  • الأتمتة الكاملة لتقطيع المقاطع السريع والنشر الفوري على المنصات الرقمية المتعددة.
  • الترجمة الفورية وإدراج النصوص التوضيحية والتوزيع متعدد اللغات في الوقت الفعلي.
  • تنسيق وتقديم المحتوى بدعم من الذكاء الاصطناعي لشاشات التلفزيون والمواقع الإلكترونية والقنوات الاجتماعية.
  • عرض المحتوى وإبرازه وتوزيعه بناءً على معطيات بيانات وتفضيلات الجمهور.
  • تصنيف فئات الجمهور والمشاركة في تخطيط الإعلانات الموجهة.
  • استرجاع المواد من الأرشيف وتنسيق تقديمها وترخيصها بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • توظيف حلول تحليل بيانات الجمهور في توجيه الخطط البرامجية والقرارات التجارية.

البث الإعلامي والتلفزيون التقليدي

  • إعداد البرامج وتطويرها وعمليات الإنتاج بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • البحث في الأرشيف وإعادة استخدام لقطات ومواد المحتوى بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة لعمليات التحرير وتوليد البيانات الوصفية.
  • ظهور المذيعين ومقدمي البرامج المولدين بالذكاء الاصطناعي وصناعة الأصول الإنتاجية رقميًا.
  • الأتمتة الكاملة لإنتاج الموجزات والمقاطع القصيرة المشتقة من المحتوى.
  • جدولة البرامج وتخطيط القنوات بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة لتوطين المحتوى والبث متعدد اللغات.
  • التمثيل البصري الحي للبيانات وتوليد الموجزات المؤتمتة لأهم المعلومات في الوقت الفعلي.
  • تنسيق تقديم المحتوى وتوزيعه بدعم من الذكاء الاصطناعي عبر القنوات الخطية والرقمية والاجتماعية.
  • تصنيف فئات الجمهور وتخطيط الإعلانات الموجهة بحسب تفضيلات المشاهدين.
  • تخطيط البرامج وجدولتها بناءً على معطيات تفضيلات فئات الجمهور.
  • تحسين مخزون المساحات الإعلانية وتدفق البيانات بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • توجيه قرارات شراء المساحات الإعلانية وتوزيعها بناءً على معطيات وحقائق البيانات الرقمية.
  • ترخيص المواد البرامجية والملفات التوثيقية من الأرشيف الفني.

منصات البث الرقمي (OTT)

  • تقديم التوصيات المخصصة الموجهة للمستخدمين.
  • تقنيات استكشاف المحتوى القائمة على البحث الدلالي والحواري.
  • بناء الواجهات المخصصة وعرض وتنسيق تقديم المحتوى بحسب سلوك المستخدم.
  • الأتمتة الكاملة للإشراف على المحتوى وتطبيق أدوات الفلترة والتنقية بناء على المنطقة المستهدفة.
  • الأتمتة الكاملة لإدراج النصوص التوضيحية والدبلجة والترجمة وتوطين المحتوى.
  • أدوات التنبؤ بفرص إلغاء الاشتراكات وتحليلات الاحتفاظ بنسب المشاهدة.
  • تصنيف فئات الجمهور بالاعتماد على بيانات مباشرة.
  • تحسين وصول الإعلانات وتوجيه استهدافها بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • تحسين خطط الاشتراكات والقيمة المحققة من العملاء وتطويرها المستمر.
  • استخلاص الرؤى والمعطيات الرقمية الخاصة بترخيص محتويات الكتالوج والملكية الفكرية.

*تتركز تأثيرات الذكاء الاصطناعي الخاصة بمنصات البث الرقمي في المراحل المتأخرة لسلسلة القيمة في عملية الإنتاج، بينما تحدث عمليات صناعة المحتوى عادةً في المراحل المبكرة ضمن مجال الأفلام والمحتوى السمعي البصري الدرامي والبرامجي. *

ويتباين حجم هذا التأثير ونطاقه والزخم التشغيلي المصاحب له تباينًا ملموسًا بحسب خصوصية المجالات الفرعية الأربعة؛ ففي الأفلام والمحتويات السمعية البصرية الدرامية والبرامجية، يبرز حضور الذكاء الاصطناعي أقوى ما يكون وأوضح في مراحل صناعة المحتوى، إذ تغيّر القدرات التوليدية والاصطناعية طرق تصور المحتوى وإنتاجه وتحريره.

أما في الأخبار فيمتد نطاق التأثير إلى مرحلتي صناعة المحتوى وتوزيعه معًا، بفضل قدرات غرف الأخبار المتكاملة التي تصل وظائف البحث والإنتاج والأرشيف بالنشر السريع متعدد المنصات. وفي المقابل، يشهد البث الإعلامي والتلفزيون التقليدي تغلغلًا أشمل لأدوات الذكاء الاصطناعي على امتداد سلسلة القيمة كلها، خاصة في أتمتة الإنتاج وجدولة الخطط البرامجية وتعزيز البث الحي وتحسين المساحات الإعلانية.

وأخيرًا يتركز التأثير الأكبر في منصات البث الرقمي في المراحل اللاحقة، أي توزيع المحتوى وتحقيق الإيرادات، إذ تؤدي حلول التخصيص وآليات اكتشاف المحتوى وخطط توطينه، ومعطيات بيانات الجمهور المباشرة، الدور الأبرز في تشكيل تجربة المشاهدة وتحديد قيمتها التجارية والمالية.

3.2

تركز الإنفاق في مرحلة صناعة المحتوى

تضاعف الإنفاق على تطبيقات الذكاء الاصطناعي المرتبطة بمجال الفيديو في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر من مرة بين عامي 2024 و2026، إذ ارتفع من نحو 182 مليون دولار أمريكي إلى 367 مليون دولار أمريكي. ويمثل ذلك معدل نمو سنوي مركبًا (CAGR) يقارب 42%، مع توقعات بأن يتجاوز إجمالي الإنفاق حاجز المليار دولار أمريكي بحلول عام 2030.

وتستأثر تطبيقات صناعة المحتوى اليوم بحصة الأسد من الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في قطاع الفيديو، مدفوعةً خاصةً بكتابة سيناريو الأفلام والمؤثرات البصرية وإعداد القصص المصورة الإرشادية، وتحرير سير عمل ما بعد الإنتاج ومونتاج الفيديو. ومن المتوقع أن يستمر هذا التركّز في الفترات المقبلة، فتبقى تطبيقات صناعة المحتوى وإنتاجه الأسرع نموًا، مع تصاعد نضج التقنيات التوليدية والاصطناعية وقدراتها.

الشكل 13: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الفيديو (مليون دولار أمريكي)
182 مليون دولار أميركي
2024
264 مليون دولار أميركي
2025
367 مليون دولار أميركي
2026
الشكل 13: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الفيديو (مليون دولار أمريكي)
السوق202420252026
بقية دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا61.3389.95125.74
المملكة العربية السعودية48.6269.9596.18
دولة الإمارات العربية المتحدة32.6547.5566.10
مصر14.1320.8329.30
دولة قطر12.9618.5725.40
المغرب7.6211.1315.52
لبنان4.606.388.41

وفي المقابل تحظى التطبيقات الداعمة لتوزيع المحتوى وتحقيق الإيرادات بحصة أقل من الإنفاق، وهي تشمل أدوات الإشراف الفوري على محتوى منصات البث الرقمي والتنبؤ بتفضيلات المشاهدين. ومع التوسع المستمر لهذه التطبيقات، يؤكد الهيكل الحالي للإنفاق أن التأثير الأقوى للذكاء الاصطناعي على المدى القريب يظل في مراحل الإنتاج الأولى، إذ يسهم مباشرةً في تعزيز القدرات الإبداعية وتوسيع آفاقها.

الشكل 14: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الفيديو، مصنفة حسب التطبيق، 2026
الشكل 14: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الفيديو، مصنفة حسب التطبيق، 2026
الفئةالحصة (%)
كتابة السيناريو والمؤثرات البصرية وإعداد القصص المصورة الإرشادية للأفلام37%
لإشراف الفوري على محتوى منصات البث الرقمي (OTT)16%
التنبؤ بتفضيلات المشاهدين13%
تحرير خطوات سير عمل ما بعد الإنتاج14%
إنتاج الفيديو8%
كتابة المقالات وتلخيصها10%
تحليلات غرف الأخبار3%

وتستأثر المملكة العربية السعودية بزخم الاستثمار الإقليمي، بما يوافق مكانتها أكبرَ سوق مفردة للإنفاق على الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام عمومًا، تليها دولة الإمارات العربية المتحدة. ويُتوقع مستقبلًا أن تسجل جمهورية مصر العربية أسرع معدل نمو بين الأسواق الإقليمية المفردة التي شملتها الدراسة، وهو ما يشير إلى أن نطاق التبنّي بدأ يتسع متجاوزًا القوى الاستثمارية القائدة في السوق اليوم.

ومن هنا تكمن الفرصة السانحة أمام المؤسسات العاملة في مجال الفيديو في البناء على الزخم المحقق في مرحلة صناعة المحتوى، وربط هذه القدرات تدريجيًا بآليات التوزيع وتحقيق الإيرادات. ومع تغلغل الذكاء الاصطناعي عميقًا في مراحل التصور والإنتاج والتحرير، يمكن اقتناص قيمة تجارية واقتصادية أعلى عند ربط هذه الأدوات بجهود توطين المحتوى والبحث الذكي ومعطيات بيانات الجمهور، وصولًا إلى القرارات التجارية الشاملة عبر سلسلة القيمة كلها.

3.3

دراسات حالة: التغييرات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في إنتاج الفيديو

وبناءً على تركّز الإنفاق على الذكاء الاصطناعي في مجال الفيديو، تستعرض دراسات الحالة التالية كيفية ترجمة هذه الاستثمارات إلى تطبيقات عملية ملموسة عند النقاط المحورية في سلسلة القيمة، وتحديدًا في صناعة المحتوى السينمائي، وصناعة المحتوى وتوزيعه في البث الإعلامي والأخبار، وتوزيع المحتوى في منصات البث الرقمي، وتطوير المحتوى الدرامي والبرامجي.

مجال الأفلام والمحتوى السمعي البصري الدرامي والبرامجي

مرحلة صناعة المحتوى
الإمارات العربية المتحدة

شركة (إيون موفيز) – تحويل صناعة الأفلام إلى خط إنتاج قائم على الذكاء الاصطناعي

«إيون موفيز» (AEON Movies) شركة مختصة بإنتاج الأفلام والفيديو، مقرها دبي، تجمع بين الخبرات السينمائية التقليدية وأدوات الإنتاج المدعومة بالذكاء الاصطناعي في الأفلام والرسوم المتحركة وسائر الأنماط السينمائية.

وفي مارس 2026 كشفت الشركة عن فيلم أنيميشن بعنوان «مارا: العالم الداخلي» (MARA: The World Within)، يمر اليوم بمراحل التطوير، ويستكشف عالمًا متخيلًا داخل جسم الإنسان. ووظّف فريق العمل تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي في إنتاج العرض الترويجي الأول للفيلم، على امتداد سير الإنتاج كله: توليد البيئات البصرية والشخصيات وتحريكها، وتوليد حركة الكاميرا، وإنتاج المؤثرات الصوتية والموسيقى، بدلًا من الاقتصار على مهمة إنتاجية واحدة معزولة. ويقدم هذا العرض نموذجًا حيًا لخط إنتاج الأنيميشن المعتمد على الذكاء الاصطناعي في الشركة، ويثبّت الملامح العامة للشخصيات والبيئات واللغة البصرية المستهدفة للفيلم عند اكتماله.

لماذا يُعدّ التغيير ثوريًا:

تجسّد هذه الحالة تشغيل الذكاء الاصطناعي التوليدي خطَّ إنتاج سينمائي متكامل، فيتيح لشركات الإنتاج بناء الشخصيات والبيئات والتحريك وترتيب تتابع المشاهد رقميًا منذ البداية، بدلًا من الاعتماد الحصري على أدوات التحريك والإنتاج التقليدية.

مجال الأخبار

مرحلة توزيع المحتوى
الكويت

دار القبس للصحافة والطباعة والنشر – تحويل مكتبة المحتوى إلى تجربة مخصصة للمستخدم

شركة دار القبس الكويتية من المؤسسات الرائدة في تبنّي الابتكار الرقمي في قطاع الإعلام بدولة الكويت؛ إذ انتقلت من دورها الأصلي صحيفةً ورقية إلى النشر الرقمي، وإنتاج الفيديو عبر تلفزيون القبس، والمنتجات الصوتية والمحتوى القائم على الاشتراكات. واختارت هذه المؤسسة أن تطور نفسها وتبني هيكلًا مؤسسيًا ضخمًا على مدى سنوات، بدلًا من تطوير هذه القنوات كلًّا على حدة.

وكانت المحطة البارزة في هذه المسيرة عام 2021، حين أطلقت الشركة منصة رقمية متكاملة تجمع بين خدمات الويب والهواتف المحمولة وبيئة مركزية موحدة لإدارة المحتوى. ودمجت المنصة المحتوى الصادر عن مختلف أقسام منظومة القبس، وأدخلت القدرات الأولى لتعلم الآلة في البحث وأنظمة التوصيات وتخصيص التجربة، ومنها ميزة «صفحتي» التي تخصص للمستخدم اكتشاف المحتوى بحسب اهتماماته وسلوكيات استهلاكه.

واليوم تأخذ هذه الفرصة أبعادًا أكثر تطورًا، بتوظيف الذكاء الاصطناعي عاملَ تطور يُستخدم على مستوى المنصة كلها لا حالةَ استخدام منفصلة. وبناءً على هذه الركيزة المشتركة للمحتوى والتكنولوجيا والجمهور، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يدعم خطط التخصيص، وسير العمل في غرف الأخبار، واكتشاف المواد وإعادة استخدامها في مختلف أشكال المنتجات الإعلامية.

ويكتسب هذا التوجه قوة استثنائية حين يطبَّق على أرشيف القبس الضخم الذي يعود إلى عام 1972، إذ تمثل أكثر من 50 عامًا من العمل الصحفي الرصين أصلًا إعلاميًا استراتيجيًا حصريًا للمؤسسة. وبتحويل هذا الأرشيف إلى مادة قابلة للبحث والوصول الذكي بالذكاء الاصطناعي، تستطيع القبس أن تحوّل المحتوى التاريخي إلى معرفة مؤسسية تفاعلية.

لماذا يُعدّ التغيير ثوريًا:

يكمن التحول هنا في الجمع بين سنوات من الابتكار الرقمي، والمنصة الموحدة، وتخصيص تجربة الجمهور، وتنشيط الأصول الإعلامية الحصرية. فبدلًا من توظيف أدوات الذكاء الاصطناعي متفرقةً بلا ترابط، تبني القبس الأساس التشغيلي الذي يتيح للذكاء الاصطناعي أن يعمل ويتغلغل على مستوى المؤسسة كلها. ويصعب محاكاة هذا النموذج أو تكراره بسرعة؛ فمع إتاحة نماذج الذكاء الاصطناعي وأدواته لكل ناشر، يظل هذا الكم من المحتوى الحصري وبيانات الجمهور والبنية التكنولوجية المتكاملة عصيًّا على التقليد.

مجال البث الإعلامي والتلفزيون التقليدي

مرحلة صناعة المحتوى
قطر

مجموعة beIN الإعلامية – تحويل البث الرياضي الحي إلى تجربة مدعومة بالذكاء الاصطناعي

مجموعة beIN الإعلامية، التي تتخذ من قطر مقرًا رئيسيًا لها، من المجموعات العالمية الرائدة في الرياضة والترفيه، إذ تخدم قنوات beIN SPORTS فئات الجمهور في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا والأسواق الدولية. وضمن استراتيجيتها للتحول الرقمي، تطور المجموعة قدرات بث مدعومة بالذكاء الاصطناعي، مصممة لتعزيز تجربة الجمهور في متابعة المنافسات الرياضية الحية. وتجمع هذه القدرات بين تقنيات التنبؤ المدعومة بالذكاء الاصطناعي والإحصاءات الفورية والمعلومات الحية عن اللاعبين والميزات التفاعلية للمشاهدة، فتغدو البيانات والرؤى الرقمية جزءًا أصيلًا من تجربة البث المباشر ومكملًا لها. وقد وضعت المجموعة هذه التقنيات جنبًا إلى جنب مع خدمات البث السحابي وتخصيص التجربة، ضمن انتقالها الطويل الأجل إلى نموذج بث وتوزيع أشد ارتكازًا على الابتكار التكنولوجي المتقدم.

لماذا يُعدّ التغيير ثوريًا:

تُظهر هذه الحالة كيف يرتقي الذكاء الاصطناعي بالبث الرياضي التقليدي، فينقله من نقل جامد لإشارة البث الحي إلى تجربة مشاهدة تفاعلية غنية بالبيانات والحقائق الرقمية، تصير فيها المعطيات الذكية جزءًا لا يتجزأ من المحتوى المقدَّم للمشاهدين.

منصات البث الرقمي

مرحلة توزيع المحتوى
المملكة العربية السعودية

مجموعة MBC وشركة CAMB.AI – توزيع المحتوى العربي إلى كافة اللغات

مجموعة MBC من أكبر الشركات الإعلامية والترفيهية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتتولى تشغيل «شاهد»، منصة البث الرقمي الرائدة إقليميًا.

وفي عام 2025 عقدت المجموعة شراكة استراتيجية مع شركة CAMB.AI، ومقرها دبي، لتعزيز خطط توطين محتواها العربي ودعم توسعه وتوزيعه ونشره بين فئات الجمهور العالمية. ويفيد هذا التعاون من تقنيات الترجمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وحلول الصوت الاصطناعي، ومنها نموذج الترجمة (BOLI) ونماذج الحديث (MARS) المملوكة لشركة CAMB.AI، لترجمة المحتوى ودبلجته إلى أكثر من 150 لغة، مع الحفاظ التام على خامات الصوت والنبرة والمشاعر، وعلى السياق اللغوي والثقافي الأصيل.

وتسهم مجموعة MBC بدورها في إتاحة أرشيفها الضخم متعدد الوسائط، الذي يضم محتويات خليجية ومشرقية ومغاربية عريقة، لدعم بناء نماذج ذكاء اصطناعي أوعى بالخلفيات الثقافية والسياقات المحلية العربية وأفهم لها وتطويرها. واختارت المجموعة منصة «شاهد» مرتكزًا أساسيًا لتعميم نشر المحتوى وتوزيعه على نطاق عالمي واسع. وتمنح هذه الشراكة مجموعة MBC مسارًا تشغيليًا مبتكرًا لتوطين محتواها العربي ومواءمته بأحجام ضخمة، مع الاحتفاظ الكامل بالهوية الثقافية للمادة الإعلامية.

لماذا يُعدّ التغيير ثوريًا:

تُظهر هذه الحالة نجاح تقنيات الذكاء الاصطناعي في تحويل توطين المحتوى من عملية روتينية تستهلك الموارد والوقت وتقوم على الصياغة لغةً بعد لغة، إلى بنية تحتية رقمية مرنة قابلة للتوسع بأحجام ضخمة، تتيح إيصال مضمون الملكية الفكرية العربية ونشره بين فئات جمهور عالمية أوسع نطاقًا بكثير.

3.4

الأولويات القيادية في مجال الفيديو

لن تقوم المرحلة المقبلة من تبنّي الذكاء الاصطناعي وتطبيقه في مجال الفيديو على إضافة أدوات مفردة منفصلة بقدر ما تقوم على وضع الأسس التشغيلية التي تتيح له أن يعمل ويتدفق شاملًا عبر المحتوى وسير العمل وفئات الجمهور والنماذج التجارية.

1.

بناء أسس المحتوى والبيانات بما يتيح توظيف الذكاء الاصطناعي:

تتعاظم القيمة الحقيقية للذكاء الاصطناعي حين تتحول محتويات الأرشيف إلى ملفات رقمية، وتُصنَّف البيانات الوصفية وتُفهرس تصنيفًا سليمًا، وتتضح حقوق الملكية، ويُعتمد على بيانات الجمهور والمشاهدين اعتمادًا موثوقًا. ويكتسب هذا التوجه أهمية استثنائية لدى مؤسسات الأخبار والبث الإعلامي ومنصات البث الرقمي التي تملك مكتبات أرشيف ومحتوى ضخمة.

الأولوية القيادية:التعامل مع مكتبات الأرشيف والبيانات الوصفية ومعلومات الحقوق وبيانات الجمهور والأصول المطورة بالعربية بوصفها بنية تحتية رئيسية للذكاء الاصطناعي، لا مخازن جامدة.

2.

الانتقال من الأتمتة المفردة إلى تكامل سير العمل وربطه:

تستهدف غالبية التطبيقات القوية اليوم أنشطة ووظائف منفردة، كالتحرير وتفريغ النصوص وأنظمة التوصية وتوطين المحتوى. غير أن ربط هذه القدرات في غرف الأخبار المتكاملة وخطوط الإنتاج وأنظمة التوزيع والعمليات التجارية سيحقق قيمة أكبر، مع إمكان أن ينسّق الذكاء الاصطناعي الوكيل مزيدًا من خطوات سير العمل هذه بمرور الوقت.

الأولوية القيادية:تقديم بناء منظومة تقنية للذكاء الاصطناعي تربط خطوات سير العمل عالية القيمة، على مراكمة الأدوات المفردة والمشاريع التجريبية المنفصلة بلا ترابط.

3.

تحويل الكفاءة إلى قيمة ملموسة للجمهور وللإيرادات:

خفض تكاليف الإنتاج وتسريع سير العمل من الأمور المهمة، لكن لا ينبغي أن تصير هدف المؤسسة الأوحد؛ إذ يجب أن يصب الإنتاج وتوطين المحتوى والجدولة وإدارة المحتوى المدعومة بالذكاء الاصطناعي في نهاية المطاف في محتوى أفضل، وتوزيع أسرع، واكتشاف أقوى للمواد، وتفاعل أعمق مع الجمهور، وآليات أحسن لتحقيق الإيرادات من المحتوى.

الأولوية القيادية:اشتراط أن تستوفي تطبيقات الذكاء الاصطناعي الموسعة متطلبات محددة، منها مسار عملي واضح قابل للتنفيذ ينقل أثر التحسينات التشغيلية إلى القيمة المحققة للجمهور والمحتوى وإيراداته.

4.

التعامل مع معطيات بيانات الجمهور الذكية أصلًا استراتيجيًا:

يزيد الذكاء الاصطناعي، في منصات البث الرقمي والبث الإعلامي والأخبار والأفلام، القيمةَ الاستراتيجية لبيانات الجمهور، بربط سلوكيات المشاهدة باكتشاف المحتوى والخطط البرامجية وقرارات الإصدار والاحتفاظ بنسب المشاهدة والإعلانات. والمؤسسات التي تفهم فئات جمهورها فهمًا أدق أقدر على اتخاذ قرارات أفضل في هذه المجالات، لا في ما توزعه وتنشره وحده، بل في ما تختار إنتاجه، وتوقيت جدولته وإصداره، وآليات تحقيق الإيرادات منه.

الأولوية القيادية:بناء طبقة موحدة معتمدة لمعطيات بيانات الجمهور توجّه قرارات المحتوى والتوزيع والعمليات التجارية، بدلًا من ترك هذه البيانات مشتتة بين وظائف ومنصات منفردة منعزلة.

5.

دمج الرقابة الإبداعية والثقة وحقوق الملكية الفكرية في نموذج التشغيل:

مع دخول المواد الإعلامية الاصطناعية والتوليدية جزءًا أصيلًا في صناعة الأفلام والبرامج والمحتوى الإخباري الجاهز، تنتقل الأسئلة المتصلة بحقوق الطبع والنشر والسمعة والإفصاح والشفافية وتحديد المصادر والمسؤولية التحريرية إلى قلب عملية الإنتاج مباشرة. وتزداد أهمية ذلك في الأخبار والبرامج الواقعية، إذ يمكن للمواد المولَّدة رقميًا أو المعدَّلة أن تؤثر مباشرةً في المصداقية الإعلامية.

الأولوية القيادية:إدخال متطلبات منح الموافقات وإدارة الحقوق والتحقق من المصادر والإفصاح في سير العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي منذ البداية، لا التعامل معها إجراءات لاحقة للتدقيق والامتثال.

6.

التعامل مع الأرشيف أصلًا ثقافيًا وتجاريًا استراتيجيًا:

على المؤسسات الإعلامية أن تقدّم رقمنة أرشيف الأفلام والمكتبات السمعية البصرية وفهرسته وحمايته، بما يضمن التطبيق الواسع لحلول الترميم الرقمي والبحث الذكي وإعادة الاستخدام المدعومة بالذكاء الاصطناعي. ويكتسب ذلك أهمية بالغة في المحتويات التاريخية العريقة التي يصعب الوصول إليها أو يهددها التلف المادي.

الأولوية القيادية:بناء استراتيجية منظمة للأرشيف تغطي الرقمنة والبيانات الوصفية وحقوق الملكية وحماية الأصول، بما يضمن حفظ المحتوى التاريخي واكتشافه وإعادة استخدامه، بدلًا من بقائه حبيس المكتبات والمستودعات المادية.

7.

وضع حدود واضحة للترميم الرقمي المدعوم بالذكاء الاصطناعي:

يسرّع الذكاء الاصطناعي ترميم الأعمال رقميًا، لكنه ينطوي أيضًا على مخاطر قد تغيّر الطابع التاريخي للعمل الأصلي إذا تجاوزت التدخلات التقنية حدود الإصلاح والمعالجة إلى إعادة إنتاج المادة الفنية. ولذلك يتطلب الترميم الرقمي معايير صارمة واضحة تحمي أصالة المحتوى وتوثق التدخلات وتضمن الرقابة والإشراف البشري الكامل.

الأولوية القيادية:إرساء مبادئ توجيهية للترميم الرقمي تحمي الصورة والصوت والسياق الثقافي الأصيل للعمل، وتوثق التدخلات الفنية توثيقًا واضحًا، وتضمن أن يُستخدم الذكاء الاصطناعي في استرجاع الأعمال التاريخية وإحيائها، لا في تحديثها أو إعادة ابتكارها وتغيير هويتها.

3.5

محطة بارزة: حماية الأصول الإعلامية العربية بواسطة الذكاء الاصطناعي: الأرشيف السينمائي والترميم الرقمي

يستطيع الذكاء الاصطناعي التأثير في كل ما يُبتكر ويُنتج اليوم، غير أن أهميته لمجال الفيديو تمتد في الاتجاه المعاكس أيضًا؛ إذ يمكن أن يعين على حماية الأفلام ومجموعات الأرشيف السمعي البصري وترميمها وإحيائها، وهي المواد التي سُجّل بها جانب كبير من التاريخ الثقافي والاجتماعي للعالم العربي.

ولتحديات الحفظ والحماية أبعاد بالغة الأهمية؛ إذ تشير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) إلى أن التراث التوثيقي في المنطقة العربية يواجه مخاطر جمة من التلف الطبيعي والتقادم التكنولوجي وظروف التخزين غير الملائمة، ومن التدمير المتعمد في بعض الحالات، ويأتي التراث السمعي البصري في مقدمة ما يتطلب قدرات متخصصة لحمايته وصونه.

ومن هنا صار صون الأفلام وحمايتها جزءًا بالغ الأهمية في أجندة تطوير مجال الفيديو في المنطقة، وبدأت المؤسسات في العالم العربي تدرك تدريجيًا الحاجة الماسة إلى حماية الأصول السمعية البصرية قبل أن تتدهور حالتها ويلحق بها تلف أكبر.

وفي دولة الإمارات العربية المتحدة، يتولى «مركز الحفظ والترميم» التابع للأرشيف والمكتبة الوطنية صون المواد السمعية البصرية وسائر المقتنيات بوصفها جزءًا من السجل التاريخي الوطني، بقدرات مخصصة للأرشفة والحفظ الرقمي تدعم الصون وإتاحة الوصول الطويل الأجل إلى هذه المجموعات. وفي المملكة العربية السعودية، يبني «الأرشيف الوطني للأفلام» التابع لهيئة الأفلام السعودية القدرات اللازمة لصون السينما السعودية والعربية عبر مبادرات مخصصة للحماية والرقمنة والترميم. أما في جمهورية مصر العربية، فتضم «مدينة الإنتاج الإعلامي المصرية» مركزًا لترميم التراث السمعي البصري، بقدرات متطورة تشمل الترميم المادي للأفلام والمسح الضوئي عالي الدقة والترميم الرقمي، ومنها برنامج مخصص لترميم 50 فيلمًا من السينما المصرية القديمة التي لحقها التلف أو صارت غير صالحة للعرض.

وتبقى الرقمنة الركيزة الأولى لهذه الجهود كلها ومنطلقها؛ فالذكاء الاصطناعي لا يلغي الحاجة إلى تحديد مواقع أشرطة الأفلام الأصلية وحمايتها وفحصها ضوئيًا. ومتى حُوّلت هذه الأفلام إلى ملفات رقمية، أمكنه أن يدعم أجزاء من سير عمل الترميم، برصد مظاهر التدهور البصري وتصحيحها، وتحسين جودة اللقطات والمواد منخفضة الدقة، ومعالجة أحجام ضخمة من الحركات بكفاءة أعلى. وعمليًا تسهم قدراته في تحسين دقة العرض البصري وتقليل الضوضاء والعيوب البصرية، فتتهيأ المواد القديمة وتُواءم مع صيغ العرض المعاصرة.

وتتجاوز الفرص المتاحة إصلاح الصورة ومعالجتها؛ إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي إثراء البيانات الوصفية وتصنيف المحتوى في مجموعات الأرشيف السمعي البصري الضخمة، فتسهل فهرسة المجموعات والبحث فيها وتصفحها. وفي الأرشيف السينمائي، يعين ذلك خبراء الأرشفة وصنّاع الأفلام والباحثين على تحديد مواقع الأشخاص والمحادثات والمشاهد والمفاهيم التحريرية بدقة وكفاءة أعلى، فيغدو اكتشاف المواد التاريخية وإعادة استخدامها أيسر كثيرًا. وقد بدأت تظهر بالفعل نماذج حية وتطبيقات عملية في السوق الإقليمية؛ إذ تضم «المكتبة الرقمية المرئية» التابعة لهيئة الشارقة للإذاعة والتلفزيون، التي أُطلقت عام 2026 وتعمل بالذكاء الاصطناعي، أكثر من 120,000 أصل إعلامي قابل للبحث الفوري يعود تاريخها إلى عام 1989، وتشمل قدراتها التقنية التعرف على الوجوه والتفريغ التلقائي للنصوص والترجمة.

ويضع استخدام الذكاء الاصطناعي في ترميم الأفلام حدًّا ينبغي مراعاته؛ فالترميم يجب أن يستهدف استرجاع العمل التاريخي وإحياءه، لا إعادة إنتاج مادة فنية تقدم تفسيرًا حديثًا معدَّلًا له. وقد بدأت الهيئات الأرشيفية والصناعية تصوغ توجيهات رسمية في هذه القضية؛ إذ يتناول «الاتحاد الدولي لأرشيفات الأفلام» (FIAF)، الممثل للأرشيف السينمائي في العالم، مسألة الذكاء الاصطناعي صراحةً في توجيهاته الخاصة بالترميم الرقمي للأفلام، ويؤكد قاطعًا ضرورة أن تظل قرارات الترميم مرتكزة على السياق التاريخي والتكنولوجيا والسمات الجمالية للعمل الأصلي. ويوصي الاتحاد كذلك بالاحتفاظ بملفات المسح الضوئي الخام سجلًّا نقيًا للمادة المصدرية لم يلحقه تعديل ولا تلاعب.

ويمنح هذا التحول العالم العربي فرصة متميزة؛ إذ يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعمل جنبًا إلى جنب مع الخبرات الأرشيفية البشرية والتقليدية، فيعين على ترميم الأفلام التي يهددها التلف، وتصنيف المجموعات الضخمة، وتيسير اكتشاف المواد التاريخية وإعادة استخدامها والوصول إليها. غير أن القيمة الثقافية الأسمى لهذه التكنولوجيا ستتحقق حين تُسخَّر للكشف عما هو موجود بالفعل وإبرازه، لا لطمسه أو الكتابة فوقه؛ أي بحماية اللغة الأصيلة والأداء والتمثيل والسينماتوغرافيا والسياق الثقافي الذي سجلت به الأجيال السابقة ملامح مجتمعاتها.

وبهذا المنظور الاستراتيجي، يمكن لمجموعات الأرشيف السينمائي العربي أن تنتقل من مواد مخزنة محمية في مستودعات مادية إلى أصول ثقافية وتجارية تُحوَّل رقميًا، وتُرمَّم بذكاء، وتغدو قابلة للبحث الفوري، وتعود إلى خطوط البث والنشر والتداول لتلهم الأجيال الجديدة.

04.

المحتوى الصوتي

يقدم البحث في مجال المحتوى الصوتي منظورًا متميزًا لما يحدثه الذكاء الاصطناعي من تغييرات في وسائل الإعلام؛ إذ بدأت هذه التكنولوجيا تغيّر طرق إنتاج المحتوى الصوتي وتوزيعه، بل تغيّر طبيعة الأصوات وتجربة الاستماع نفسها. ويسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم في دعم ابتكار الموسيقى وتوليد الأصوات الاصطناعية وأتمتة التحرير وتوطين المحتوى الصوتي، فيما يُعاد تصميم تجربة استماع الجمهور تدريجيًا مع تطور محركات التوصية. ومع بلوغ الذكاء الاصطناعي مرحلة الوكالة، واندماجه المتصاعد بالمواد الإعلامية الاصطناعية، ستغدو هذه القدرات أوثق ترابطًا وأقدر على التكيف، فتنسّق تقنياته الإنتاج وتخطيط البرامج وإعدادها وتخصيصها لفئات الجمهور وتحقيق الإيرادات منها، وتبني في الوقت نفسه تجارب صوتية تستجيب بدقة لاهتمامات كل مستمع على حدة.

ويخضع مجال المحتوى الصوتي في هذا التقرير للدراسة في ثلاثة مجالات فرعية: الموسيقى، والراديو والبث الصوتي الحي، والبودكاست والمحتوى الصوتي حسب الطلب. ومع تشارك هذه المجالات في كثير من التقنيات التي تعين على تطورها، يحدث الذكاء الاصطناعي في كل منها تحولًا جذريًا بطريقة مغايرة؛ ففي الموسيقى يتزايد تأثيره في التأليف والإنتاج واكتشاف المواد، وفي تغيير اقتصاديات الحقوق والملكية. وفي الراديو والبث الصوتي الحي يعيد صياغة الخطط البرامجية والتقديم الإذاعي وجدولة المواعيد وتوطين المحتوى، فيتحدى الطبيعة الخطية التقليدية للبث. أما في البودكاست والمحتوى الصوتي حسب الطلب فيذلل عقبات الإنتاج والتحرير والترجمة وتوسيع نطاق المحتوى، ويفتح آفاقًا واسعة لبناء تجارب استماع مخصصة متكيفة.

ويتناول هذا التحليل المعمق تلك التحولات على امتداد سلسلة صناعة المحتوى وتوزيعه وتحقيق الإيرادات منه، باحثًا في المواضع التي يسهم فيها الذكاء الاصطناعي بالفعل في ترشيد النفقات وتعزيز التخصيص، وفي المواطن التي قد تكسر فيها القدرات الناشئة الحدود القائمة فتغيّر طبيعة المنتج الصوتي ونموذج العمل التجاري نفسه. ويولي التحليل أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا اهتمامًا خاصًا، إذ يُنشئ توليد المحتوى بالعربية واستنساخ الأصوات العربية، وخطط توطين المحتوى متعدد اللغات، ونمو مجال المحتوى الصوتي الرقمي، مع بقاء الراديو في موقع محوري، بيئةً متميزة لتبنّي تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتوظيفها.

4.1

الانتقال من الإنتاج بمساعدة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى الصوتي الاصطناعي والقابل للتخصيص

ينتقل المحتوى الصوتي من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التقليدية — تطوير محركات التوصية وجدولة المواعيد وأتمتة الإنتاج — إلى نموذج يؤثر فيه الذكاء الاصطناعي تدريجيًا في المحتوى نفسه، وفي آلية وصوله إلى المستمعين، وفي كيفية تطور تجربة الاستماع في الوقت الفعلي. ويُوظَّف الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم في تأليف الموسيقى وتوليد الأصوات الاصطناعية ودعم المونتاج الصوتي والخطط البرامجية للراديو، وقد صارت التوصيات المدعومة بالذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من منصات المحتوى الصوتي الرقمية. ومع نضج قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل، ستغدو هذه التطبيقات المفردة أوثق ترابطًا وتكاملًا، فتنسّق صناعة المحتوى الصوتي وتأليفه، وإعداد برامجه وتخطيطها، وتوطين المحتوى، وتحسين التوزيع واستجابة الجمهور، بدلًا من تحسين كل مهمة على حدة.

ويتباين هذا التطور بحسب خصوصية مجالات الموسيقى، والراديو والبث الحي، والبودكاست والمحتوى الصوتي حسب الطلب؛ ففي الموسيقى يدخل الذكاء الاصطناعي على نحو متصاعد في صلب العملية الإبداعية، ويثير أسئلة مستحدثة في التأليف وحقوق الملكية. وفي الراديو يستطيع أن يعيد صياغة الخطط البرامجية وتقديم المواد في وسيلة بث اتسمت تاريخيًا بالنمط الخطي. أما في البودكاست والمحتوى المنطوق فتستطيع التكنولوجيا أن تقلص الجهد والوقت اللازمين لصناعة المحتوى وترجمته وتوسيع نطاقه. وفي المجالات الثلاثة، يتيح توليد الأصوات الاصطناعية والتوليد متعدد اللغات فرصًا نوعية للمحتوى الناطق بالعربية وللإنتاج المحلي، مع تزايد الأهمية الاستراتيجية لمسائل موافقات الأفراد وتحديد المصادر والموثوقية الإعلامية والثقة. وكان تقرير «نظرة على الإعلام العربي» السابق قد رصد تخصيص التجارب المدعوم بالذكاء الاصطناعي، وتوليد الأصوات الاصطناعية، وأتمتة عمليات الراديو، وتطبيقات المحتوى الصوتي بالعربية، بوصفها أبرز مجالات التبنّي الناشئة في المنطقة.

صناعة المحتوى: من الإنتاج بمساعدة التقنية إلى المحتوى الصوتي القابل للتخصيص والمولد بالذكاء الاصطناعي

يعزز الذكاء الاصطناعي ما يستطيع المبدعون إنتاجه وينوّعه ويسرّع إنجازه؛ ففي الموسيقى تدعم النماذج التوليدية التأليف والتوزيع الموسيقي والتصميم الهيكلي للصوت والمكساج النهائي. وفي الراديو يعين على إعداد النصوص والسيناريوهات وجدولة المواعيد وتوليد الأصوات وتجميع البرامج وتنسيق تقديمها. أما في البودكاست والمحتوى المنطوق فيدعم البحث وكتابة النصوص والتحرير وتفريغ النصوص والتعليق الصوتي الاصطناعي. ويُنظر إلى تأليف الموسيقى المدعوم بالذكاء الاصطناعي بوصفه أحد التطبيقات الترفيهية الناشئة في السوق.

ويسهم هذا التحول في تحقيق المخرجات المستهدفة للتقرير، وتحديدًا تعزيز إنتاج المحتوى، وخفض تكاليف الإنتاج، وتسريع سير العمل. ومع ذلك، فالخطوة المقبلة لا تقتصر على إنتاج المواد الصوتية نفسها بوتيرة أسرع؛ إذ ستتولى الأنظمة الوكيلة تنسيق أنشطة إنتاجية متعددة متشابكة، من البحوث وإعداد النصوص إلى التحرير والتحقق من الحقوق وإصدار النسخ، فيما تتيح التقنيات الصوتية الاصطناعية ابتكار أشكال جديدة للمحتوى تُولَّد أو تُخصَّص بحسب القنوات واهتمامات المستخدمين بسلاسة وسرعة.

ويكتسب هذا التأثير دلالة استثنائية في المحتوى الصوتي المنطوق؛ إذ تتيح أتمتة الترجمة والدبلجة وتوليد الأصوات العربية إعادة إنتاج المادة الإعلامية الواحدة بمختلف اللغات وتوزيعها في الأسواق كافةً، دون الحاجة إلى إعادة سير الإنتاج كله من البداية، وهو مجال أبرزه هذا التقرير بوضوح.

توزيع المحتوى: من إعداد البرامج الموحد للجميع إلى تجارب الاستماع المخصصة

غيّر الذكاء الاصطناعي آليات اكتشاف المحتوى الصوتي عبر محركات التوصية، والفرصة متاحة اليوم للانتقال من التوصية بمحتوى قائم بالفعل إلى تطويع تجربة الاستماع نفسها وتخصيصها. فقد صار في وسع منصات الموسيقى أن تحدد تتابع المقطوعات بحسب التفضيلات الفردية وسياق الاستماع؛ ويستطيع الراديو أن يدمج البرامج الحية بالتدفقات الرقمية المخصصة للمستمع دمجًا ذكيًا؛ وتستطيع منصات البودكاست أن تطوّع الاكتشاف وتوصيات الحلقات، بل أن تقدم نسخًا مخصصة من المحتوى تناسب مختلف فئات المستمعين.

وهنا تبرز الأهمية البالغة لتجارب المستمعين فائقة التخصيص، ولتعزيز تفاعلهم وتسريع التوزيع وتوطين المحتوى؛ فالذكاء الاصطناعي لا يعين على تحديد ما يستقبله المستمع وحده، بل يمتد إلى تحديد لغة المادة وقالبها ومدتها وهوية المذيع ومقدم البرنامج وتتابع عرض المحتوى.

وقد يحمل هذا التطور ملامح تحول ثوري للراديو خاصةً؛ إذ قامت هذه الوسيلة تاريخيًا على خطط برامجية مشتركة موجهة إلى الجميع، بينما ينشئ الذكاء الاصطناعي اليوم إمكان الحفاظ على فوريتها وسماتها التفاعلية مع إدخال مستويات تخصيص أعلى عبر القنوات الرقمية. ويكتسب هذا التحول أهمية كبرى في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لبقاء الراديو محققًا معدلات وصول وانتشار واسعة، خاصةً في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، مع التوسع المستمر لمنصات البث الرقمي والبودكاست.

أما في البودكاست والمحتوى الناطق، فمن شأن توطين المحتوى أن يغيّر اقتصاديات التوزيع تغييرًا جذريًا؛ إذ تتيح الترجمة وتوليد الأصوات الاصطناعية انتقال المحتوى العربي إلى أسواق عالمية جديدة، أو توطين المحتوى الدولي ونقله إلى العربية واللهجات المحلية، بوتيرة أسرع كثيرًا من إعادة التسجيل البشرية التقليدية.

تحقيق الإيرادات من المحتوى: من الانتشار الجماهيري الواسع إلى صناعة قيمة ذكية ومرنة

ويغيّر الذكاء الاصطناعي كذلك طرق تحقيق الإيرادات من فئات الجمهور المستمعة؛ ففي الموسيقى يدعم التخصيص خطط الاحتفاظ بنسب الاستماع واكتشاف المواد ورفع معدلات الإفادة من محتويات الكتالوج، فيما تثير الموسيقى المولَّدة بالذكاء الاصطناعي أسئلة مستحدثة في التراخيص والملكيات الفكرية والقيمة التقديرية للإنتاج البشري الأصيل. وفي الراديو تسهم معطيات بيانات الجمهور الذكية في تحسين كفاءة وصول الإعلانات، وتخطيط مخزون المساحات الإعلانية، وفتح آفاق الرعاية التجارية والبرامجية. وفي البودكاست يدعم الذكاء الاصطناعي دمج الإعلانات الديناميكية، والمواءمة الدقيقة مع اهتمامات الجمهور، وتحقيق الإيرادات من المحتويات المتخصصة أو المحلية بكفاءة أعلى وقابلية أوسع للتوسع.

وترتبط هذه الفرص في المقام الأول بابتكار آليات جديدة لتحقيق الإيرادات، لكنها تتصل أيضًا بتعميق التفاعل والتخصيص؛ فالفهم الدقيق لما يثمّنه المستمعون يعين المنصات الإعلامية على تجاوز تعظيم معدلات الوصول الجماهيري وحده، إلى تحسين مستويات الاحتفاظ بالمشتركين، وقياس الرغبة في الاشتراك المدفوع، وتحسين وصول الإعلانات، وتعميق التفاعل المستدام على المدى الطويل.

ويمنح السياق المحلي في أسواق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا هذه المعطيات دلالة بالغة؛ إذ تستأثر الموسيقى بالفعل بالحصة الأكبر من عوائد المحتوى الصوتي في المنطقة، فيما ما تزال آليات تحقيق الإيرادات من البودكاست في نمو أولي، ويحتفظ الراديو بانتشاره الواسع. ولذلك قد تختلف التفاعلات التجارية للذكاء الاصطناعي بحسب خصوصية المجالات الفرعية؛ فتعزز اقتصاديات منصات البث الموسيقي الناضجة، وتحسّن كفاءة تحقيق الإيرادات من جمهور الراديو، وتعين البودكاست وسائر القوالب الناطقة على بلوغ الحجم والتوطين اللازمين لبناء نماذج عمل أكثر استدامة.

وينتقل التوجه العام إجمالًا من توظيف الذكاء الاصطناعي لرفع كفاءة إنتاج الصوت وتوزيعه وحده، إلى استخدامه في بناء تجارب صوتية مولَّدة رقميًا، أقدر على التخصيص والتكيف مع القنوات والمستمعين واهتماماتهم، بما يحمل إشارات تحول جوهري في الإبداع والحقوق واقتصاديات مجال المحتوى الصوتي عمومًا.

الشكل 15: مجالات التغيير التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في سلسلة قيمة مجال المحتوى الصوتي بحسب المجالات الفرعية – تطبيقات الذكاء الاصطناعي
المجال الفرعيصناعة المحتوىتوزيع المحتوىتحقيق الإيرادات

الموسيقى

  • التأليف والتوزيع الموسيقي وتصميم الصوت بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
  • عمليات المكساج ووضع اللمسات النهائية (الماسترينغ) وتنفيذ خطوات سير عمل الإنتاج بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • التأليف الرقمي للموسيقى والأصول الصوتية المتنوعة.
  • التنسيق المتكامل لعمليات الإنتاج والتحقق من الحقوق وإصدار النسخ بدعم من الذكاء المساعد.
  • تسريع تأليف وصناعة نسخ وصيغ بديلة للمحتوى الفني.
  • استكشاف الموسيقى وتقديم التوصيات بدعم من تقنيات الذكاء الاصطناعي.
  • تحديد تتابع المقطوعات بناءً على التفضيلات الفردية وسياق الاستماع للمستخدم.
  • تجارب استماع مرنة تتوافق وتتطوع بحسب فئات الجمهور.
  • تسريع توطين المحتوى وإصدار النسخ المخصصة لمختلف الأسواق.
  • تعزيز آليات استكشاف المحتوى ورفع معدلات الاستفادة من محتويات الكتالوج الحالية.
  • • التخصيص المتقدم لدعم خطط الاحتفاظ بنسب المشتركين في المنصات.
  • تعزيز آليات استكشاف المحتوى ورفع معدلات الاستفادة من محتويات الكتالوج.
  • تحسين تفاعل المستمعين والقيمة المستدامة المحققة من العملاء بدعم من أدوات الذكاء الاصطناعي.
  • تطوير نماذج مستحدثة للتراخيص والملكيات الفكرية وعوائد الموسيقى المولدة بالذكاء الاصطناعي.

الراديو والبث الصوتي الحي

  • • إعداد النصوص والسيناريوهات وتطوير البرامج بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة لجدولة مواعيد البث وتجميع البرامج وتنسيق تقديمها.
  • توليد الأصوات الاصطناعية وإنشاء شخصيات المذيعين ومقدمي البرامج الافتراضيين.
  • توطين المحتوى بمساعدة الذكاء الاصطناعي وتطوير الإنتاج متعدد اللغات.
  • التنسيق المتكامل لخطط البرامج وخطوات سير عمل الإنتاج بدعم من الذكاء المساعد.
  • تقديم البث الرقمي المخصصة للمستمع بالتزامن مع البرامج الحية المباشرة.
  • جدولة البرامج واختيار المحتوى بدعم من أدوات الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة لتوطين المحتوى ونشره بمختلف اللغات والأسواق.
  • وضع خطط البرامج والتوزيع بناءً على معطيات وحقائق بيانات الجمهور.
  • توظيف معطيات بيانات الجمهور الذكية لتحسين كفاءة وصول الإعلانات وملائمتها.
  • تصنيف فئات الجمهور وتوجيه خطط الاستهداف التجاري بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • تحسين مخزون المساحات الإعلانية وتطوير عوائدها الاقتصادية.
  • تعزيز فرص الرعاية التجارية وفتح آفاق استثمارية جديدة.

البودكاست

  • عمليات البحث وكتابة النصوص وتطوير القصص بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة للمونتاج الصوتي وتفريغ النصوص والعمليات الإنتاجية.
  • التعليق الصوتي الاصطناعي وتوليد الأصوات الرقمية.
  • الترجمة وتوليد الأصوات الاصطناعية بمختلف اللغات العالمية.
  • ترشيد نفقات الإنتاج وتسريع ابتكار نسخ جديدة من المحتوى الصوتي.
  • استكشاف المحتوى وتقديم التوصيات الدقيقة للحلقات بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • الأتمتة الكاملة لعمليات الترجمة وتوطين المحتوى على نطاق واسع بصورة موسعة.
  • التوزيع متعدد اللغات المتسارع بالاعتماد على تقنيات توليد الأصوات الاصطناعية.
  • تقديم نسخ مخصصة للمستمعين بحسب اللغة والقالب والفترة الزمنية.
  • الإعلانات المتكيفة والمخصصة بحسب اهتمامات المستخدمين.
  • تحقيق التوافق بشكل كامل مع اهتمامات الجمهور وتوجيه خطط الاستهداف بدقة عالية بدعم من الذكاء الاصطناعي.
  • تحسين المعطيات الاقتصادية للمحتوى الذي خضع للتوطين.
4.2

مؤشرات الإنفاق: التوسع في مجالات ابتكار وصناعة المحتوى الصوتي

يتركز الإنفاق على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال المحتوى الصوتي في مجالين فرعيين أساسيين: الموسيقى، وإنتاج المحتوى الصوتي الناطق الذي يشمل الراديو والبودكاست. وللموسيقى سلسلة قيمة متميزة ترتكز على الجوانب الإبداعية وحقوق الملكية، بينما يُجمع الراديو والبودكاست معًا في كثير من التحليلات، لاعتمادهما المشترك المكثف على إنتاج الكلمة المنطوقة، وإعداد النصوص، والتحرير الصوتي والتعليق الصوتي، وسير عمل خطط البرامج والتوزيع، على تباين نماذج الاستهلاك في كل منهما. وفي هذين المجالين ينتقل الذكاء الاصطناعي سريعًا من أتمتة سير العمل إلى التوليد الرقمي للمحتوى وتوطينه وتخصيصه الشامل.

وبين عامي 2024 و2026 تضاعف الإنفاق في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتي أكثر من مرة، فارتفع من نحو 19 مليون دولار أمريكي إلى 39 مليون دولار أمريكي. وصعد الإنفاق على توليد الموسيقى وتأليفها من قرابة 12.0 مليون دولار أمريكي إلى 25.2 مليون دولار أمريكي، فيما ارتفعت نفقات إنتاج محتوى البودكاست والراديو من نحو 6.9 ملايين دولار أمريكي إلى 14.1 مليون دولار أمريكي في الفترة نفسها.

ويرسم هيكل النفقات ملامح النضج النسبي للمجالين؛ إذ تستأثر الموسيقى بثلثي الإنفاق الإقليمي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتي لعام 2026، بما يوافق مكانتها أكبرَ ركائز الاقتصاد الصوتي في المنطقة. ويقع الثلث الباقي في إنتاج محتوى البودكاست والراديو، إذ يتزايد دعم الذكاء الاصطناعي لكتابة النصوص، والتحرير، وإعداد البرامج، وتوليد الأصوات الاصطناعية، وتوطين المحتوى.

الشكل 16: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال المحتوى الصوتي، مصنفة حسب التطبيق، 2026إنفاق منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على الصوت بحسب التطبيق، 2026 (مليون دولار أمريكي)
الشكل 16: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال المحتوى الصوتي، مصنفة حسب التطبيق، 2026
الفئةالحصة (%)
توليد وتأليف الموسيقى64%
إنتاج محتوى البودكاست والراديو36%

وتختلف العوامل التشغيلية في هذه المجالات الفرعية؛ ففي الموسيقى يدعم الاستثمار على نحو متصاعد التأليف والإنتاج وصناعة الصوت بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وفي الراديو والبث الحي يوجَّه الذكاء الاصطناعي إلى تخطيط البرامج وجدولة المواعيد وإدارة الأرشيف والتقديم الصوتي الاصطناعي. أما في البودكاست والمحتوى المنطوق حسب الطلب فتكمن الفرصة في تقليص الجهد الإنتاجي وتوسيع نطاق المحتوى عبر تفريغ النصوص والترجمة وتوليد الأصوات. وتشمل نماذج التبنّي الحالية في أسواق المنطقة أتمتة الراديو، وترجمة البودكاست، والتطبيقات الصوتية متعددة اللغات.

وبالنظر إلى المستقبل، يشير المنحنى الحالي إلى نمو يقارب 40% سنويًا في هذه التطبيقات بحلول عام 2030، مع نمو إنتاج الموسيقى وتوليدها بوتيرة أسرع قليلًا من إنتاج الراديو والبودكاست. ولا يتجه مسار الإنفاق إلى توليد مزيد من المواد وحده، بل يتركز في تغلغل الذكاء الاصطناعي جزءًا مدمجًا في كيفية إنتاج الصوت وتوطينه وتطويعه ليلائم مختلف فئات الجمهور.

ويبلغ زخم الاستثمار الإقليمي أقوى درجاته في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، إذ تستأثر السوقان معًا بنحو 17.5 مليون دولار أمريكي، وهو ما يتجاوز نصف إجمالي الإنفاق الإقليمي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي الصوتي لعام 2026. وتضاعف إنفاقهما أكثر من مرة بين عامي 2024 و2026، بما يعكس التطور الشامل لمنظومتيهما الإبداعية والصوتية الرقمية.

الشكل 17: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال المحتوى الصوتي، 2024-2026 (مليون دولار أمريكي)
19 مليون دولار أمريكي
2024
28 مليون دولار أمريكي
2025
39 مليون دولار أمريكي
2026
الشكل 17: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال المحتوى الصوتي، 2024-2026 (مليون دولار أمريكي)
السوق202420252026
بقية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا34%
السعودية26%
الإمارات18%
مصر8%
قطر7%
المغرب4%
لبنان2%

ولا تكمن الفرصة السانحة في أتمتة إنتاج الصوت وحدها، بل في الاستثمار في القدرات التي تعزز انتشار المحتوى الإقليمي والمحلي وموثوقيته. ويكتسب هذا التوجه أهمية بالغة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في صناعة المحتوى بالعربية، وتوطين المحتوى متعدد اللغات واللهجات، واكتشاف التوصيات المخصصة، وإنتاج المحتوى الناطق القابل للتوسع بمرونة عالية، مع تحول قضايا الحقوق وتحديد المصادر والموافقات الفردية الصريحة إلى ركائز بالغة الحيوية كلما نضجت الموسيقى والأصوات الاصطناعية المولَّدة رقميًا.

ومع أن الذكاء الاصطناعي ما يزال يمثل طبقة تكنولوجية صغيرة نسبيًا في اقتصاديات مجال المحتوى الصوتي الأوسع، فإنه يشهد نموًا متسارعًا ويتغلغل عميقًا حتى يغدو لصيقًا بطبيعة الصوت وتجربة الاستماع نفسها.

4.3

دراسات حالة: الانتقال من استكشاف المحتوى الصوتي إلى التجارب التكيفية المخصصة

تظهر التطبيقات الثورية للذكاء الاصطناعي في مجال المحتوى الصوتي في ثلاثة تحولات مترابطة. أولها تزايد كفاءة الذكاء الاصطناعي في فهم المادة الصوتية نفسها، فتتحسن طرق تصنيف الموسيقى والمحتوى الناطق واكتشافه وتقديم التوصيات فيه. وثانيها أن التقنيات التوليدية والاصطناعية بدأت تعيد تشكيل طرق صناعة الصوت وتحديد الهوية الإبداعية القادرة على ابتكاره، من المذيعين ومقدمي البرامج الافتراضيين إلى الفنانين والأصوات الاصطناعية. وثالثها أن الذكاء الاصطناعي يجعل تجربة الاستماع أكثر ديناميكية وتخصيصًا، بتقديم محتوى يُجمَّع ويُوطَّن ويُطوَّع بحسب التفضيلات الفردية للجمهور.

وتغطي دراسات الحالة التالية مجالات الموسيقى والراديو والبودكاست، لتوضح مسار الانتقال من التحليل الذكي للمحتوى إلى الابتكار الاصطناعي والتخصيص الصوتي الفائق في مراحل صناعة المحتوى وتوزيعه، وتُظهر كيف بدأ الذكاء الاصطناعي يغادر دور الدعم التقليدي ليصوغ معالم التجربة الصوتية نفسها.

الإمارات العربية المتحدة

منصة أنغامي وشركة سيانيت (Anghami / Cyanite) – تحويل كتالوج الموسيقى إلى بنية تحتية ذكية قابلة للاستكشاف

تعد «أنغامي» إحدى المنصات الرائدة في البث الموسيقي الرقمي، تأسست في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وتتخذ من أبوظبي مقرًا رئيسيًا لها، وتدير عملياتها في 16 سوقًا إقليمية. وفي مارس 2026 عقدت المنصة شراكة استراتيجية مع شركة «سيانيت» (Cyanite) المتخصصة بالتحليل الذكي للموسيقى، لتحسين طرق فهم محتويات الكتالوج الموسيقي وتقديم التوصيات فيه.

وتقوم المبادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي في تحليل المادة الصوتية وتوليد بيانات وصفية منظمة تغطي سمات كالأنواع الموسيقية والحالة المزاجية والطاقة الحركية والآلات المستخدمة. وطبّقت أنغامي هذه القدرة على 2.5 مليون أغنية، فدمجت البيانات الوصفية الناتجة مباشرةً في أنظمة التوصية الداخلية للمنصة. وسلّط القائمون عليها الضوء على تحدٍّ خاص يتصل بالمحتوى الموسيقي الغنائي العربي، الذي قد يضعف تمثيله في نماذج الذكاء الاصطناعي العالمية القائمة أساسًا على الكتالوجات الغربية.

وتشير سجلات أنغامي إلى أنها تضم أكثر من 120 مليون مستخدم مسجل، وهو ما يمنح هذه الخطوة حجمًا تشغيليًا مؤثرًا في المنطقة. ولذلك لا تتمحور هذه الحالة حول استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي في ابتكار مادة موسيقية جديدة، بقدر ما ترتكز على بناء طبقة معطيات ذكية ضرورية لجعل الكتالوجات الفنية الضخمة المتنوعة ثقافيًا قابلة للاكتشاف الفوري والتخصيص الفائق.

لماذا يُعدّ هذا التحول ثوريًا:

يكمن التحول هنا في نقل اكتشاف الموسيقى من الاعتماد التقليدي على السجل السلوكي التاريخي للمستخدم والبيانات الوصفية المفهرسة يدويًا، إلى ذكاء اصطناعي يفهم الخصائص الفنية والهيكلية للموسيقى نفسها. ويكتسب هذا التوجه أهمية استثنائية لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في إبراز المحتوى الموسيقي العربي، والأنواع الموسيقية المحلية، والمبدعين المستقلين والناشئين الذين قد تصعب على النماذج العالمية للتوصية دقةُ تصنيفهم.

المملكة العربية السعودية

صحيفة عرب نيوز وشركة جوجل (Arab News / Google) – تحويل أرشيف صحفي مکتوب إلى سلسلة بودكاست مولدة بالذكاء الاصطناعي

«عرب نيوز» مؤسسة إخبارية وإعلامية رائدة ناطقة بالإنجليزية، تتخذ من المملكة العربية السعودية مقرًا لها، وتغطي الشؤون المحلية والإقليمية والدولية.

وبمناسبة مرور خمسين عامًا على تأسيسها في 2025، تعاونت «عرب نيوز» مع شركة جوجل في ابتكار سلسلة بودكاست من خمس حلقات، تغطي الأحداث المحورية بين عامي 1975 و2025. واستعان المشروع بتقنية NotebookLM من جوجل لتحليل المواد المكتوبة الأصلية وتوليد موجزات صوتية بمقدمي برامج افتراضيين وأصوات مولَّدة بالذكاء الاصطناعي.

وتقوم كل حلقة على مرحلة مختلفة من التغطية الصحفية للمؤسسة في عقد محدد. ولذلك يعمل الذكاء الاصطناعي في البحث والإنتاج الصوتي معًا، فيسهم في تحويل أرشيف قائم من الصحافة المكتوبة والمواد التحريرية إلى قالب استماع ومخرجات صوتية جديدة كليًا، بدلًا من الاقتصار على المحاكاة الآلية لصوت معلق بشري.

وتقدم هذه التجربة نموذجًا عمليًا لإحياء الملكية الفكرية والأصول الإعلامية العريقة بالذكاء الاصطناعي التوليدي؛ إذ يمكن للمواد والمقالات الرقمية المطورة أصلًا للصحافة المكتوبة أن تتحول إلى ركيزة لمنتجات صوتية مستحدثة، دون الحاجة إلى إعادة بناء المنظومة التحريرية والمقترح الإبداعي من البداية.

لماذا يُعدّ هذا التحول ثوريًا:

تُظهر هذه الحالة نجاح الذكاء الاصطناعي التوليدي في تذليل العقبات التقليدية الفاصلة بين الأشكال والمنتجات الإعلامية؛ إذ يتحول الأرشيف النصي القائم تدريجيًا إلى مادة مصدرية تُبنى منها تجارب صوتية مبتكرة، فيمتد العمر الاقتصادي والجماهيري للمحتوى التاريخي، وتتغير طبيعة الموارد التشغيلية اللازمة لتطويع صيغة إعلامية إلى أخرى وحجمها.

مصر

راديو 9090 (إف إم) – تحويل المذيعين الافتراضيين إلى طبقة جديدة للتفاعل مع الجماهير

«راديو 9090» إذاعة مصرية رائدة تقدم مزيجًا واسعًا من البرامج الترفيهية والموسيقية والمواد الموجهة إلى الاهتمام العام، وقد صارت من أكثر الجهات الإذاعية الإقليمية طموحًا في التجريب للمحتوى الصوتي المولَّد بالذكاء الاصطناعي.

وفي يناير 2025 بدأت المحطة تبث أغنية بعنوان «بحبك يا مصر»، أُعدّت بالكامل بالاعتماد على الذكاء الاصطناعي: من كتابة الكلمات والتلحين والتوزيع الموسيقي إلى الأداء الصوتي الغنائي الذي قدمته مطربة افتراضية مولَّدة رقميًا تحمل اسم «روعة». وبعد أشهر قليلة قدّمت الإذاعة مذيعَين افتراضيَّين هما «كريم تك» و«سلمى سمارت» لإدارة باقة برامجية قصيرة كانت تُبث في البداية مرتين أسبوعيًا، مع خطط تشغيلية لزيادة وتيرة النشر ومواعيده.

ويوضح أرشيف راديو 9090 استمرار ظهور هؤلاء المذيعين الافتراضيين في التغطيات والخطط البرامجية اللاحقة، بما يؤكد أن التجربة غادرت مساحة الإعلان الأولي إلى ممارسة تشغيلية مستدامة.

لماذا يُعدّ هذا التحول ثوريًا:

تُظهر هذه الحالة قدرة المؤسسات الإذاعية على الانتقال من توظيف الذكاء الاصطناعي في الكواليس والعمليات الداعمة، إلى ابتكار مواهب وملكية فكرية صوتية افتراضية بالكامل على الهواء مباشرة. وفي الراديو العربي، يفتح ذلك إمكان أن يعمل المذيعون الافتراضيون عملًا مستمرًا مترابطًا عبر مختلف البرامج والمنصات، بل أن يظهر فنانون اصطناعيون تنبثق منتجاتهم الموسيقية من صلب المنظومة الإبداعية لمؤسسة البث نفسها.

4.4

الأولويات القيادية في مجال المحتوى الصوتي

1.

تقديم الذكاء الاصطناعي الذي يوسّع نطاق انتشار المحتوى الصوتي العربي على زيادة حجمه:

لا تكمن الفرصة الأعلى قيمة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في توليد مزيد من الموسيقى أو برامج الراديو أو البودكاست، بل في جعل المحتوى الإقليمي والمحلي أسهل فهمًا واكتشافًا وتوطينًا وتوزيعًا. ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحسّن جودة البيانات الوصفية للمحتوى الصوتي وأنظمة التوصية للموسيقى العربية، وأن يترجم المحتوى المنطوق والمحادثات مع حفظ خامة صوت صانع المحتوى ونبرته، وأن يطوّع البرامج ويخصصها لتلائم مختلف اللغات واللهجات المحلية؛ فيُوصل الملكية الفكرية الإقليمية إلى فئات جمهور واسعة قد تعجز ميزانيات الإنتاج والتوطين التقليدية عن دعمها ماليًا.

الأولوية القيادية:توجيه الاستثمارات إلى بناء مزيد من قدرات التحليل الذكي للمحتوى، وآليات اكتشاف المواد، وحلول توطين المحتوى الصوتي التي تفهم خصوصية العربية واللهجات المحلية، بما يعزز انتشار المحتوى الصوتي الإقليمي وموثوقيته، والتعامل مع توليد المحتوى عنصرًا مساعدًا مكمّلًا لا هدفًا أوحد.

2.

التعامل مع نبرة الصوت أصلًا استراتيجيًا حصريًا للملكية الفكرية مع التحول إلى الوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي:

تتحول نبرة الصوت البشري تدريجيًا إلى أصل رقمي قابل للاستنساخ والترجمة والتوليد التلقائي عند الطلب. وتوضح التجارب الإقليمية الحالية في المذيعين الافتراضيين بالراديو، والمطربين الاصطناعيين، والترجمة الحافظة لخامة الصوت، سرعةَ تغلغل هذه الأدوات من مساحة دعم العمليات إلى صلب المنتج الصوتي نفسه. وفي منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، حيث تحمل اللهجة والكنة والأصوات المألوفة قيمة ثقافية وجماهيرية مهمة، قد يؤدي التوسع في هذه القدرات دون أسس واضحة للموافقات الفردية الصريحة وتحديد المصادر وإدارة حقوق الملكية الفكرية إلى تراجع ثقة الجمهور وتقويض القيمة التقديرية للعمل الإبداعي.

الأولوية القيادية:وضع الأسس التنظيمية والقانونية ونماذج الحوكمة التي تضمن أصواتًا اصطناعية مرخصة شفافة تراعي الخصوصية الثقافية، مع تحديد حدود دقيقة لكيفية ابتكار أصوات الفنانين والمذيعين واستخدامها وتوطينها وتحقيق الإيرادات منها، قبل التوسع في تطبيق التكنولوجيا.

3.

ربط صناعة المحتوى وتوزيعه وتحقيق الإيرادات في حلقة صوتية متكيفة متكاملة:

تتعاظم القيمة المتحققة من الذكاء الاصطناعي حين يتجاوز كونه أدوات مفردة منفصلة للإنتاج أو التوصية أو الإعلانات. فمؤشرات التفاعل الرقمي وإشارات الجمهور تستطيع توجيه ما ينبغي صناعته وتوطينه من المحتوى؛ ثم يتولى الذكاء الاصطناعي تخصيص كيفية توزيعه وعرضه، فيما تعود بيانات التفاعل وعوائد الإيرادات لتصب في تطوير الخطط البرامجية والإنتاجية المقبلة. ويكسب هذا الترابط ميزة تنافسية عالية في اكتشاف الموسيقى، والراديو الرقمي، والمحتوى المنطوق حسب الطلب، إذ يتكيف المنتج الصوتي باستمرار مع المستمع.

الأولوية القيادية:الاستثمار في بناء بنية تحتية مشتركة للبيانات، والبيانات الوصفية المفهرسة، وطبقة التنسيق الشاملة للذكاء الاصطناعي اللازمة لربط حلقة العمليات المتكاملة (اصنع وزّع تفاعل حقق الإيرادات تعلّم)، والانتقال من تطبيقات الذكاء الاصطناعي المعزولة إلى تجارب صوتية تتكيف وتتطور باستمرار مع فئات الجمهور.

ولن تتأتى الميزة التنافسية المقبلة في مجال المحتوى الصوتي من استخدام التكنولوجيا لإنتاج محتوى أغزر، بل من توظيف الذكاء الاصطناعي لتوسيع آفاق انتشار الصوت العربي، وتقديم تجارب استماع متكيفة، وإدارة الأصوات الاصطناعية بمسؤولية ونزاهة تحمي حقوق المبدعين وصنّاع المحتوى وتصون الموافقات الفردية الصريحة.

4.5

محطة بارزة: توليد الأصوات العربية الاصطناعية: الهوية والأصالة والموافقات

بدأ الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل أحد أكثر المقومات تميزًا في الإعلام الصوتي: نبرة الصوت البشري الأصيل نفسها. فالتقنيات الصوتية الاصطناعية اليوم تستطيع توليد الحديث المنطوق واستنساخه وترجمته، فتتيح للمذيع أو الصحفي أو الفنان أن يوصل رسالته وينشرها بين فئات جمهور جديدة، بمختلف اللغات والأسواق والقوالب، دون الحاجة إلى المرور المتكرر بسير الإنتاج الأصلي.

وفي الإعلام العربي، تتجاوز الأهمية الاستراتيجية لهذا التحول الكفاءة التشغيلية وترشيد النفقات؛ فالصوت يحمل الهوية وثقافة المجتمع. وترسل اللهجة المحلية واللكنة ومخارج الحروف الفصيحة والإيقاع وطريقة الإلقاء إشارات فورية تعبّر عن الجغرافيا والثقافة والمجتمع المحلي. ولذلك لا تقتصر الفرصة الحقيقية على ترجمة المحتوى العربي آليًا، بل تتركز في حفظ الهوية السمعية ونبرة الصوت الأصلي والشخصية الإبداعية، بما يضمن بقاء المادة الإعلامية معبّرة عن أصالتها وموثوقيتها في أثناء انتشارها الخارجي.

وقد يُحدث هذا التطور تغييرًا جذريًا في اقتصاديات المحتوى الصوتي ونطاق انتشاره؛ إذ يستطيع مذيع عربي معروف محل ثقة أن يخاطب فئات جمهور عالمية بمختلف اللغات، محتفظًا بخامة نبرة صوته. وتستطيع قوالب الراديو والبودكاست والمخرجات الترفيهية أن تخدم مختلف الأسواق واللكنات المحلية، دون الحاجة إلى إعادة بناء المشاريع الإنتاجية من البداية.

وبدأت أسواق المنطقة تبني القدرات اللازمة لمواكبة هذا التطور؛ إذ أطلقت «أكاديمية دبي للإعلام» مبادرة استراتيجية تركز على تطوير أدوات وأنظمة ذكاء اصطناعي تعكس اللهجات العربية والفروق الثقافية الدقيقة بدقة أعلى، فيما توظف شركة CAMB.AI، ومقرها دبي، قدرات صوتية متعددة اللغات تشمل الحديث المنطوق بالعربية، والترجمة، واستنساخ الأصوات الاصطناعية، معتمدةً على بنية تحتية تقنية قائمة بالكامل داخل دولة الإمارات العربية المتحدة.

ومن هنا يكمن التحدي المقبل في تحديد المدى الذي يمكن للأصوات أن تقطعه دون أن تفقد سماتها الجمالية الفريدة التي تمنحها هويتها. ومع تحول الأصوات المألوفة إلى أصول رقمية قابلة لإعادة الاستخدام المستمر، ستحتاج المؤسسات الإعلامية إلى تبنّي مبادئ واضحة موثوقة تنظم الموافقات الصريحة والشفافية والإشراف التحريري.

ومع ذلك تظل الفرصة الكبرى واعدة؛ إذ يمنح استنساخ الأصوات الإعلامَ العربي مسارًا متطورًا لتوسيع نطاق قصصه وشخصياته المبدعة وتعبيره الثقافي في العالم، مع الحفاظ الكامل على أصالة المحتوى والموثوقية الإعلامية التي يربطها الجمهور بالصوت البشري الأصلي.

05.

الألعاب الإلكترونية

يقدم مجال الألعاب الإلكترونية دليلًا واضحًا على الكيفية التي بدأت بها تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي تغيّر مشهد قطاع الإعلام؛ إذ يظهر فيه بجلاء تحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لإنجاز مهام مفردة محددة إلى منظومة متكاملة تدير العمليات كلها، ويرجع ذلك في المقام الأول إلى الطبيعة التفاعلية الحركية لمنتجات الألعاب. ولا يقتصر تأثيره هنا على طرق تطوير الألعاب وإنتاجها، بل يمتد إلى آليات استجابتها للاعبين، وكيفية الوصول إلى فئات الجمهور، وقدرتها على تحقيق الإيرادات على المدى الطويل.

ويبحث هذا التحليل المعمق في ملامح هذا التحول، من ابتكار المحتوى وتطويره، إلى آليات نشره وتوزيعه، إلى طرق تحقيق الإيرادات منه، مع اهتمام خاص بمنظومة الألعاب الإلكترونية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويركز على المواضع التي يُحدث فيها الذكاء الاصطناعي التغيير الأكبر، وكيفية توظيف البرمجيات والخدمات في دعم تبنّي هذه التقنية وتطبيقها، والمواطن التي قد تنقل فيها القدرات الناشئة مجال الألعاب إلى تجارب تفاعلية فائقة التخصيص دائمة التطور.

5.1

تأثير الذكاء الاصطناعي في سلسلة القيمة لمجال الألعاب الإلكترونية

صارت الألعاب الإلكترونية من أبرز الأمثلة الحية على خروج الذكاء الاصطناعي من مساحة الدعم الفني التقليدي للإنتاج إلى صلب التجربة التي يعيشها المستخدم؛ إذ يسهم الذكاء الاصطناعي التوليدي اليوم في تسريع سير عملية تطوير الألعاب، فيما تتيح قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل الناشئة للشخصيات والأنظمة والبيئات الافتراضية أن تستجيب للاعبين وتتفاعل معهم ديناميكيًا. ووفق النظرة المستقبلية، قد تذهب الوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي بهذه التجربة إلى آفاق أبعد، ببناء بيئات فائقة التخصيص تتشكل وتتغير في الوقت الفعلي. وتنشئ هذه الطفرة فرصًا نوعية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، لا تقتصر على تطوير الألعاب بكفاءة أعلى، بل تمتد إلى تعميق التفاعل مع الجمهور وتوسيع نطاق الانتشار وفتح مصادر جديدة عالية القيمة للإيرادات.

صناعة المحتوى: محتوى أكثر بطرق إنتاج متسارعة

يوسّع الذكاء الاصطناعي آفاق ما تستطيع فرق التطوير والابتكار صناعته، ويذلل في الوقت نفسه عقبات الإنتاج ويقلص الوقت والجهد اللازمين لطرح الألعاب في الأسواق. وتدعم الأدوات التوليدية تطوير الأفكار والمفاهيم الأولى، وتصميم الشخصيات والبيئات الافتراضية، وصياغة الحوارات والسيناريوهات، وتوطين المحتوى، والفحص والتدقيق الآلي، وسائر الأنشطة الإنتاجية الكثيفة التي تستهلك الموارد، فيتعزز إنتاج المحتوى بوتيرة أسرع وحجم أكبر. وتسهم الأتمتة كذلك في تحسين آليات الاستجابة للاعبين وتطوير طرق الوصول إلى فئات الجمهور، بما يضمن بناء قيمة مستدامة للألعاب على المدى الطويل. وتسهم أتمتة سير العمل في التطوير والإنتاج في الحد من المهام المتكررة، واختصار المدد اللازمة للتعديل والتطوير، وخفض الحواجز أمام شركات الإنتاج الصغيرة والاستوديوهات الناشئة، فتنخفض تكاليف الإنتاج ويتسارع سير العمل.

ومع بلوغ قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل مرحلة النضج، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يغادر دور المساعد في مهام مفردة محدودة، فيتولى تنسيق أنشطة متعددة متشابكة على امتداد عملية التطوير، ويصير جزءًا أصيلًا من أسلوب اللعب وميكانيكياته.

توزيع المحتوى: تجارب أكثر شخصية وقابلية للتوسع

ويغيّر الذكاء الاصطناعي كذلك طرق تفاعل الألعاب مع فئات الجمهور وتواصلها معها؛ إذ تتيح أنظمة التوصية، والتنسيق الذكي للمنافسات والربط بين اللاعبين، وتوطين المحتوى، والإشراف على المنصات، ومعطيات بيانات الجمهور، لشركات النشر والمنصات الرقمية أن تقدم للمستخدمين تجارب فائقة التخصيص، تتشكل بحسب التفضيلات الفردية والسلوكيات الفعلية لكل لاعب.

ويستطيع توطين المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي والتطويع الآلي للمواد أن يسرّع النشر والتوزيع، فتصل الألعاب والمحتويات المرتبطة بها بكفاءة أعلى إلى أسواق ولغات ومجتمعات متعددة. ويكتسب هذا المحور دلالة بالغة الأهمية في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، إذ تشكل الملاءمة اللغوية والسياقات الثقافية المحلية عنصرًا حاسمًا في تعزيز الانتشار والريادة الإقليمية.

تحقيق الإيرادات من المحتوى: تفاعل أكثر ذكاءً وقيمة

تولّد الألعاب الإلكترونية باستمرار مؤشرات عن كيفية تفاعل اللاعبين وتنافسهم وإنفاقهم. ويستطيع الذكاء الاصطناعي تحويل هذه المؤشرات إلى فهم أعمق للجمهور، يدعم تعميق تفاعلهم ببناء علاقات أوثق ملاءمة، وتوليد تجارب حية تفاعلية، ودعم مجتمعات اللاعبين، وصناعة محتوى مخصص.

ويتيح هذا التحول نماذج جديدة لتحقيق الإيرادات عبر التجارب داخل الألعاب والإعلانات والاشتراكات والعمليات الحية والرعاية واللعب التنافسي. وتكتسب تطورات الرياضات الإلكترونية في المنطقة أهمية خاصة هنا؛ إذ توسّع البطولات والفرق والعلامات التجارية والمنصات الإعلامية ومجتمعات المشجعين إمكانات تحقيق الإيرادات إلى ما وراء الإنفاق المباشر للاعبين. ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يعزز هذه المنظومة بتحليل بيانات الجمهور، وقياس عائدات الرعاية، وتحسين المحتوى، وزيادة تخصيص تفاعل المشجعين.

وعبر سلسلة القيمة يتخذ التوجه مسارًا واضحًا؛ إذ ينتقل الذكاء الاصطناعي من معاونة شركات الألعاب على رفع كفاءة الإنتاج، إلى تمكينها من صناعة تجارب تفاعلية بالغة التخصيص وتوزيعها وتحقيق الإيرادات منها.

الشكل 18: مجالات التغيير التي يحدثها الذكاء الاصطناعي في سلسلة قيمة مجال الألعاب الإلكترونية بحسب المجالات الفرعية – تطبيقات الذكاء الاصطناعي
المجالصناعة المحتوىتوزيع المحتوىتحقيق الإيرادات

الألعاب الإلكترونية

  • تطوير الأفكار والمفاهيم والقصص والمهمات بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
  • التوليد الاصطناعي للشخصيات والبيئات والعناصر والمكونات الافتراضية للعبة.
  • تسريع عمليات فحص الألعاب وضبط توازنها وتطوير أصولها.
  • بناء شخصيات ومرافقين وخصوم أذكياء بسلوك متكيف.
  • التنسيق المتكامل لخطوات سير عمل تطوير الألعاب بدعم من الذكاء المساعد.
  • محركات بحث مخصصة للألعاب وتقديم التوصيات الدقيقة للمستخدمين
  • التنسيق الذكي للمنافسات والربط بين اللاعبين وتصنيف فئاتهم.
  • الأتمتة الكاملة لتوطين المحتوى والمواءمة الثقافية والمحلية للألعاب.
  • الإشراف الذكي على المنصات وإدارة مجتمعات اللاعبين.
  • تكييف أسلوب اللعب ومستويات الصعوبة ومراحل التقدم بحسب سلوك اللاعب.
  • تخصيص العروض والمكافآت والجوائز والمقتنيات الرقمية داخل اللعبة.
  • العمليات التشغيلية المباشرة المدعومة بالذكاء الاصطناعي وإعادة استقطاب اللاعبين.
  • تحسين وصول الإعلانات وتوجيه خطط الاستهداف التجاري بدقة عالية.
  • قياس وتحسين العوائد التجارية للرعاة في قطاع الرياضات الإلكترونية.
  • التطوير المستمر للعروض والقرارات التجارية بناءً على سلوكيات المستخدمين.
5.2

مؤشرات الإنفاق: التوسع في تجارب الألعاب الإلكترونية

تضاعف الإنفاق على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الألعاب الإلكترونية والترفيه في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أكثر من مرة بين عامي 2024 و2026، إذ ارتفع من نحو 28 مليون دولار أمريكي إلى 58 مليونًا. وشمل النمو مختلف التطبيقات؛ فتضاعف الإنفاق على نمذجة سلوك الشخصيات الافتراضية تقريبًا، وزاد الإنفاق على تحسين محتوى الألعاب والترفيه على الضعف في الفترة نفسها.

ويكشف توزيع الإنفاق كذلك عن المجالات التي تزداد فيها أهمية الذكاء الاصطناعي؛ إذ تستأثر وسائل الترفيه التفاعلية بنصف نفقات السوق تقريبًا، فيما يعكس نمو الاستثمار في سلوك الشخصيات الافتراضية وتحسين المحتوى طلبًا متزايدًا على شخصيات أذكى، وأساليب لعب متكيفة، وتجارب مخصصة للمستخدمين. ولذلك يتجاوز الذكاء الاصطناعي دور الدعم الفني التقليدي للإنتاج، فيتغلغل على نطاق واسع في صلب الألعاب نفسها.

الشكل 19: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الألعاب الإلكترونية، مصنفة حسب التطبيق، 2026
الشكل 19: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الألعاب الإلكترونية، مصنفة حسب التطبيق، 2026
الفئةالحصة (%)
الترفيه التفاعلي50%
نمذجة سلوك الشخصيات الافتراضية29%
تحسين محتوى الألعاب الإلكترونية21%

وتشير التوقعات المستندة إلى المنحنى الحالي إلى نمو يقارب 36% سنويًا بحلول عام 2030. وتسهم الشخصيات الافتراضية الوكيلة، وتحسين المحتوى في الوقت الفعلي، وتطوير البيئات الرقمية عالية الاستجابة، في الحفاظ على هذا الزخم الاستثماري، فيما يُتوقع أن تفتح التجارب الاصطناعية موجة طلب جديدة في الأسواق.

ويبلغ زخم الاستثمار الإقليمي أقوى درجاته في المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، إذ تستأثر السوقان معًا بنحو نصف إجمالي الإنفاق الإقليمي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي في مجال الألعاب الإلكترونية لعام 2026. وتضاعف الإنفاق في السوقين كلتيهما أكثر من مرة بين عامي 2024 و2026، فيما سجلت جمهورية مصر العربية معدل نمو أسرع انطلاقًا من قاعدة استثمارية أدنى.

الشكل 20: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الألعاب الإلكترونية، 2024-2026 (مليون دولار أمريكي)
29 مليون دولار أمريكي
2024
42 مليون دولار أمريكي
2025
58 مليون دولار أمريكي
2026
الشكل 20: تقديرات إنفاق شركات الإعلام في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا على تطبيقات الذكاء الاصطناعي ضمن مجال الألعاب الإلكترونية، 2024-2026 (مليون دولار أمريكي)
السوق202420252026
بقية الشرق الأوسط وشمال إفريقيا34%
السعودية26%
الإمارات18%
مصر8%
قطر7%
المغرب4%
لبنان2%

ولا تكمن الفرصة السانحة أمام الشركات في زيادة الإنفاق التكنولوجي وحدها، بل في توجيه الاستثمارات إلى بناء قدرات تقنية تصنع الفارق وتميّز تجربة الألعاب الإلكترونية. ومع دخول الذكاء الاصطناعي عميقًا في الشخصيات والعوالم الافتراضية وتفاعلات اللاعبين، تغدو هذه التكنولوجيا محركًا رئيسًا لتفاعل الجمهور، وتطوير أساليب اللعب، وتوليد قيمة تجارية واقتصادية مستدامة.

ومع أن الذكاء الاصطناعي ما يزال يمثل طبقة تكنولوجية صغيرة نسبيًا في اقتصاديات الألعاب الإلكترونية الكبيرة، فإنه يشهد نموًا متسارعًا وينتقل بثبات إلى مواقع بالغة الأهمية في تجربة الاستخدام.

5.3

دراسات حالة: بدء تحول نماذج العمل في مجال الألعاب الإلكترونية

تظهر التطبيقات الأكثر ثورية للذكاء الاصطناعي في مجال الألعاب الإلكترونية حين تتجاوز التكنولوجيا دورها التقليدي أداةً تعاون البشر في تنفيذ مهام محددة، فتبدأ في تغيير ملامح التجربة أو اقتصادياتها أو طبيعة المنتج نفسه. وقد بدأت الملامح الأولى لهذا التحول تتضح فعلًا في أساليب اللعب، وتحقيق الإيرادات، وبناء بيئات افتراضية جديدة كليًا للألعاب.

منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تستعد للموجة المقبلة من الألعاب الإلكترونية المدعومة بالذكاء الاصطناعي

ما تزال التطبيقات الموسعة للذكاء الاصطناعي الوكيل في مجال الألعاب الإلكترونية محدودة النطاق في المنطقة، غير أن المنظومة التمكينية الداعمة لها تتطور تطورًا متسارعًا. ففي دولة الإمارات العربية المتحدة، تسهم المبادرات المرتبطة بـ«برنامج دبي للألعاب الإلكترونية 2033»، والتعاون مع تقنيات «إنفيديا»، وتطوير وكلاء الذكاء الاصطناعي، في فتح الآفاق أمام شركات الإنتاج والاستوديوهات المحلية للوصول إلى قدرات متطورة في صناعة الألعاب وتطويرها. وتوسّع المملكة العربية السعودية نطاق الوصول إلى أدوات الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية للحوسبة السحابية، ومنصات التطوير، عبر الشراكات الاستراتيجية وبرامج التدريب المستمرة.

ومن هنا لا تقتصر الفرصة أمام المنطقة على تبنّي تقنيات أثبتت كفاءتها في أسواق أخرى، بل تمتد إلى إمكان الابتكار والبناء المباشر للجيل المقبل من تجارب الألعاب الإلكترونية القائمة أصلًا على الذكاء الاصطناعي.

مرحلة صناعة المحتوى
كوريا الجنوبية

شركة كرافتون ومرافق لُعبة ببجي (KRAFTON / PUBG Ally) – عندما تتحول شخصيات الألعاب التقليدية إلى زملاء افتراضيين

شركة «كرافتون» العالمية، التي تأسست عام 2007 وتتخذ من العاصمة الكورية سيول مقرًا رئيسيًا لها، من أبرز المطورين والناشرين في مجال الألعاب الإلكترونية؛ تدير أعمالها عبر محفظة واسعة من الاستوديوهات وشركات الإنتاج في أسواق متعددة، وهي مطورة سلاسل ألعاب شهيرة مثل «ببجي».

ويتجاوز مشروع «مرافق ببجي» الذي طورته الشركة النموذج التقليدي للشخصيات الافتراضية، فيقدم شخصية ذكية تشارك اللاعب مشاركةً فاعلة. وتتميز هذه الشخصية بقدرتها على فهم المقاصد والحديث المنطوق، ومراقبة بيئة اللعب الحية، وتحليل مجريات الأحداث، والاستجابة المستقلة بالتحدث وتنفيذ الإجراءات والمهام داخل اللعبة.

وانتقل هذا المفهوم إلى نسخة تجريبية عامة في يونيو 2026، فأتاح للاعبين تجربة زميل افتراضي يقدر على التعاون، والتكيف مع أجواء المعارك وخطط جمع المقتنيات، وحفظ سياق المحادثات ومضمونها عبر مختلف التفاعلات، وهو ما ينقل هذه التكنولوجيا إلى أبعد من استعراض تقني معدّ سلفًا.

لماذا يُعدّ هذا التحول ثوريًا:

لم تعد اللعبة بحاجة إلى تحديد كل تفاعل أو حوار للشخصيات سلفًا؛ إذ تتزايد قدرة المرافقين والخصوم والمدربين الافتراضيين على التكيف مع سلوك كل لاعب، وتذكّر التفاعلات السابقة، والتصرف بطرق مغايرة في كل مرة، فتنتقل الألعاب الإلكترونية من التجارب المحددة سلفًا إلى بيئات تتطور وتتشكل باستمرار.

مرحلة صناعة المحتوى
الولايات المتحدة الامريكية

جوجل ديب مايند ونظام جيني 3 (Google DeepMind / Genie 3) – عندما تولد عوالم الألعاب تلقائيًا أثناء تفاعل اللاعب معها

«جوجل ديب مايند» هي الذراع البحثية المتخصصة بعلوم الذكاء الاصطناعي لدى شركة جوجل، وقد تأسست بدمج فريق «ديب مايند» — الذي انطلق في لندن عام 2010 — مع فريق «جوجل برين» في فريق واحد عام 2023. وتشمل أعمالها الأبحاث الأساسية في الذكاء الاصطناعي وتطوير الأنظمة المتقدمة في العلوم والروبوتات واللغات والبيئات المحاكية.

ويقدم نموذج العوالم «جيني 3» نظرة أولى على تحول عميق في مجال الألعاب الإلكترونية، إذ تتحول البيئة الافتراضية نفسها إلى مادة توليدية. فبناءً على نص توجيهي بسيط، يستطيع النموذج ابتكار عوالم تفاعلية حركية يتنقل فيها المستخدمون في الوقت الفعلي، مع الحفاظ التام على اتساق ملامح البيئة والاستجابة الفورية لإجراءات اللاعب وحركاته.

وما تزال هذه التكنولوجيا في طور التجريب، ولا تُطرح اليوم بديلًا لمحركات الألعاب المعاصرة، غير أنها توضح مسار تطور مستقبلي يتجاوز توليد عناصر اللعبة المفردة إلى توليد التجربة كلها وتشكيلها، بحيث تُبنى أجزاء من العالم تلقائيًا مع تفاعل المستخدم معها.

لماذا يُعدّ هذا التحول ثوريًا:

تُصمَّم معظم عوالم الألعاب اليوم سلفًا قبل دخول اللاعب إليها. والبيئات الاصطناعية القائمة على هذا النموذج تتحدى هذا النمط التقليدي، إذ تتيح للشخصيات والأشياء والأحداث — بل للعالم نفسه — أن تتولد وتتطوّع وتتخصص في أثناء اللعب، فتتحول اللعبة من منتج نهائي جامد إلى بيئة تتشكل باستمرار حول اللاعب واهتماماته.

مرحلة تحقيق الإيرادات
المملكة العربية السعودية

فريق فالكونز (Team Falcons) – عندما تتحول رعاية الرياضات الإلكترونية إلى معطيات تجارية ذكية

تأسس «فريق فالكونز» في المملكة العربية السعودية عام 2017، ويتخذ من العاصمة الرياض مقرًا له، وهو مؤسسة رائدة متعددة الفرق في قطاع الرياضات الإلكترونية، تنافس في كبريات الألعاب والبطولات الدولية، وتتنوع أنشطتها لتشمل المنافسات الاحترافية وصناعة المحتوى وتعميق التفاعل مع المشجعين.

ويوظف الفريق أدوات التحليل الذكي للرعاية التجارية في قياس مؤشرات أداء العلامات التجارية عبر البطولات والبث والمحتوى الرقمي وقنوات التواصل الاجتماعي. وتستطيع هذه التكنولوجيا تحديد حجم ظهور الرعاة، وتتبع تفاعل الجمهور، وتحديد القيمة التجارية والمالية الناتجة عبر مختلف نقاط الاتصال والتفاعل.

ويعمل هذا النموذج في منظومة واسعة؛ فخلال بطولة «كأس العالم للرياضات الإلكترونية 2025» التي أقيمت في الرياض، غطت تحليلات الرعاية الذكية 25 بطولة و24 لعبة إلكترونية مختلفة، وشملت البث، ومنصات البث الرقمي، ووسائل التواصل الاجتماعي، والمساحات الإعلانية المدمجة داخل الألعاب، ومحتوى المبدعين، والفعاليات المادية على أرض الواقع.

لماذا يُعدّ هذا التحول ثوريًا:

تتحول الرعاية التجارية من تقديرات عامة لحجم الظهور إلى عملية قابلة للقياس المستمر والتحسين الفوري. ومع مرور الوقت، قد تعين هذه المعطيات على تطويع الأصول والعروض والشراكات ديناميكيًا، فتنتقل آليات تحقيق الإيرادات في قطاع الرياضات الإلكترونية من باقات رعاية ثابتة إلى منظومة تجارية ومالية بالغة التكيف.

5.4

الأولويات القيادية في مجال الألعاب الإلكترونية

1.

منح الأولوية للذكاء الاصطناعي الذي يغير تجربة اللاعب، لا مجرد آليات الإنتاج والتطوير:

تنتقل الفرص الأعلى قيمة على نحو متزايد إلى صلب اللعبة نفسها: الشخصيات الافتراضية الذكية، وأساليب اللعب المتكيفة، ومراحل التقدم المخصصة للمستخدم، ومستويات الصعوبة الديناميكية، ومعطيات بيانات الجمهور. وتستطيع هذه القدرات أن تؤثر مباشرةً في مستويات تفاعل اللاعبين، والاحتفاظ بنسب المشاهدة والاستخدام، وإمكان إعادة اللعب.

الأولوية القيادية:توجيه الاستثمارات إلى بناء قدرات وأنظمة ذكاء اصطناعي تجعل اللعبة أكثر استجابة لسلوك كل لاعب وطريقة لعبه ومراحل تقدمه، بدلًا من التركيز الحصري على الأدوات التي تسرّع التطوير والإنتاج وحدها.

2.

التعامل مع العمليات التشغيلية المباشرة وتحقيق الإيرادات كساحة المواجهة القادمة للذكاء الاصطناعي:

يتجاوز أثر الذكاء الاصطناعي ابتكار المحتوى وتطويره إلى كيفية إدارة الألعاب واستمرار تشغيلها بعد الإطلاق؛ عبر التنسيق الذكي للمنافسات والربط بين اللاعبين، والإشراف على المنصات، وتخصيص الجوائز والفعاليات وعروض المتاجر، وتفعيل الرعاية التجارية، وإعادة استقطاب اللاعبين. وهنا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحوّل سلوك اللاعبين المستمر إلى قرارات أسرع في المنتجات والتجارة.

الأولوية القيادية:بناء محفظة استراتيجية منظمة لتطبيقات الذكاء الاصطناعي تشمل العمليات التشغيلية المباشرة وتفاعل اللاعبين وآليات تحقيق الإيرادات، لتطوير اللعبة ونموذجها التجاري وتكييفهما باستمرار بحسب سلوك المستخدمين.

3.

التأسيس من الآن لألعاب قائمة أساسًا على الذكاء الاصطناعي لا إضافته كعنصر ثانويًا:

تتطلب التجارب القائمة على الذكاء الاصطناعي الوكيل والتقنيات الاصطناعية أكثر من أدوات مفردة منفصلة؛ إذ تقوم هذه البيئات على بيانات اللاعبين، والتقنيات القابلة للربط والتبادل، ومنصات الذكاء الاصطناعي، والمواهب المتخصصة، والشراكات الاستراتيجية التي تتيح لطبقة المعرفة أن تعمل باستمرار على مستوى اللعبة كلها.

الأولوية القيادية:وضع الأسس التنظيمية من الآن ليكون الذكاء الاصطناعي جزءًا أصيلًا من البنية الهندسية للعبة ونموذج تشغيلها، بدلًا من إضافته في مراحل لاحقة خاصيةً مستقلة منعزلة.

لن تتأتى الميزة التنافسية القادمة في مجال الألعاب الإلكترونية من مجرد دمج المزيد من أدوات الذكاء الاصطناعي بشكل مجرد، بل ستنبع من تصميم تجارب وعمليات تشغيلية ونماذج تجارية ومالية تمتلك القدرة على التعلم والتكيف المستمر مع اللاعب.

5.5

محطة بارزة: الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي في مجال الألعاب الإلكترونية: الإدمان والإشراف وحماية الشباب

مع تغلغل الذكاء الاصطناعي عميقًا في مجال الألعاب الإلكترونية، يتسع نطاق تأثيره إلى أبعد من كيفية تطوير الألعاب وإنتاجها؛ إذ يصوغ على نحو متزايد مستويات الصعوبة، والتنسيق والربط بين اللاعبين، وطبيعة الشخصيات، والتوصيات، والعروض، والآليات التي تحفز المستخدمين على العودة إلى اللعب. وتستطيع هذه القدرات أن تجعل الألعاب أكثر جاذبية وتفاعلية وسهولة في الوصول، لكنها تضع في الوقت نفسه على عاتق المطورين والمنصات الرقمية مسؤولية كبرى في النظر في أثر الأنظمة الذكية في سلوك اللاعبين، خاصةً مع نمو منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا سوقًا رئيسية للألعاب تضم فئات واسعة من الشباب والناشئين.

ويقع التخصيص في قلب هذا المحور؛ فالأنظمة التي تتعلم باستمرار من سلوك اللاعب تستطيع فهم الدوافع التي تجعل الشخص يستمر في اللعب أو الإنفاق أو العودة مجددًا. ومتى استُخدمت هذه المعطيات بمسؤولية ونزاهة، أمكنها تحسين أسلوب اللعب وتطويع التجربة لتلائم كل لاعب على حدة. غير أن القدرات نفسها يمكن توظيفها بطرق تعزز اللعب المفرط، أو الإنفاق المتكرر، أو أنماط التفاعل التي قد تضر بفئات الشباب والأطفال والناشئين.

ويزيد الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه تعقيد إدارة تفاعلات اللاعبين وتنسيقها؛ إذ تولّد الحوارات التوليدية، والمحتوى الذي يصنعه المستخدمون، والشخصيات المستقلة، أحجامًا ضخمة متسارعة من التفاعلات التي تتطلب تقييمًا مستمرًا لرصد السلوك الضار، والمحتويات غير الملائمة، ومدى مراعاة الخصوصية الثقافية. وفي الألعاب الناطقة بالعربية، يتطلب ذلك بناء أنظمة تفهم اللهجات المحلية، والكلمات الدارجة، والتبديل اللغوي بين الفصحى والعامية، والسياق الإقليمي، بدلًا من الاعتماد الحصري على نماذج تدربت عالميًا.

ومع تطور هذه التجارب، تعزز دولة الإمارات العربية المتحدة الضمانات والتشريعات المحيطة بالسلامة الرقمية والرفاه الرقمي، مع اهتمام خاص بالفئات الأكثر عرضة للمخاطر، إذ يقع الأطفال واللاعبون الناشئون في مركز خطط الحماية هذه. ويقدم «المرسوم بقانون اتحادي بشأن السلامة الرقمية للطفل» تدابير صارمة تشمل آليات التحقق من العمر، وأدوات الرقابة الأبوية، والتصنيف العمري للمحتوى، وحدودًا قصوى للاستخدام اليومي وفترات راحة إلزامية، وأنظمة الإبلاغ عن المخالفات، وتوظيف الذكاء الاصطناعي نفسه في رصد المحتويات الضارة وتحديدها. وتسهم مبادرة «صنّف» في إعانة أولياء الأمور على تقييم الألعاب وتحديد المواد التي قد تكون غير ملائمة، فيما تعزز «السياسة الوطنية لجودة الحياة الرقمية» السلوكيات الرقمية الآمنة وتدرج تقييم الألعاب في توجهاتها التنظيمية.

ويمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جزءًا أساسيًا من الحل؛ فمعطيات بيانات الجمهور الذكية نفسها التي تمكّن التخصيص تستطيع أن تعين على رصد أنماط اللعب غير الصحية، أو التفاعلات غير الملائمة، أو المخاطر التي تهدد اللاعبين الصغار. وتستطيع التكنولوجيا تعزيز الرقابة في الوقت الفعلي، ودعم تقديم تجارب أوفق للمراحل العمرية، وتمكين أولياء الأمور والمنصات من التدخل المبكر لحماية الأبناء.

ومع ذلك، قد يتجاوز دور الألعاب الإلكترونية في تنمية الشباب مساحات الحماية؛ إذ تستطيع الألعاب أن تنشئ بيئات يطور فيها الشباب مهارات حل المشكلات والإبداع والتعاون والوعي الرقمي، ويتعلمون فيها اتخاذ القرارات والتكيف والتفاعل مع الآخرين. ومع تحول الألعاب إلى ما هو أذكى وأشد تخصيصًا، تبرز الفرصة في تصميم تجارب لا ترتكز على الترفيه والتفاعل وحدهما، بل تصب في التعلم والمشاركة وبناء المهارات التنموية.

وعليه لا تكمن العقيدة التشغيلية في تقييد تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي أو الحد من ذكائها، بل في تطبيقها وتوظيفها بمسؤولية ونزاهة؛ فلا ينبغي للأنظمة أن تحسّن مستويات التفاعل على حساب سلامة اللاعبين ورفاههم الرقمي. ويتطلب حيز حماية الشباب والأطفال ضمانات تشريعية ورقابية أقوى في مستويات الإنفاق المالي، وأوقات اللعب، ونوعية المحتوى، وطبيعة التفاعلات؛ كما تستلزم الأنظمة المؤتمتة مسارات واضحة للإشراف والتدخل البشري في الحالات الجسيمة، وينبغي أن يدرك اللاعبون بوضوح متى يتدخل الذكاء الاصطناعي في صياغة تجربتهم ومتى يتفاعلون مع شخصيات مولَّدة رقميًا.

وفي نهاية المطاف تبدو الفرصة المتاحة أوسع نطاقًا بكثير من صناعة ألعاب أذكى أو أكثر تفاعلية؛ إذ تكمن في تسخير هذا الذكاء لبناء تجارب تحمي سلامة اللاعبين ورفاههم الرقمي، وتطلق في الوقت نفسه القدرات الكامنة للألعاب الإلكترونية في دعم التعلم والإبداع والتنمية المستدامة للشباب.

06.

الاتصالات الاستراتيجية والعلاقات العامة

تكشف الاتصالات الاستراتيجية رؤية بالغة الأهمية لقدرة الذكاء الاصطناعي على تغيير المشهد الإعلامي؛ إذ تتجاوز هذه الوظيفة لدى الحكومات والمؤسسات العامة إنتاج المحتوى إلى فهم أصحاب المصلحة، والتنبؤ بالمشكلات، وصياغة السرديات الوطنية، وإدارة التصورات العامة في بيئة معلوماتية مشتتة. وفي هذا الإطار تحدد الاتصالات الاستراتيجية التوجه العام الذي يربط أولويات السياسات بالمكانة الوطنية والتصورات المستهدفة، فيما تمثل العلاقات العامة إحدى الوسائل التي تُنقل بها هذه السردية وتُنشر وتُحمى من التشويه، ومنها العلاقات مع وسائل الإعلام، والحملات، وإدارة السمعة، والاتصال في أوقات الأزمات.

ومع تطور الذكاء الاصطناعي من الأدوات التوليدية إلى الأنظمة الوكيلة، وتغلغله المتزايد في الوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، يتسع دوره من دعم صياغة النصوص والرصد والتحليل إلى معاونة الحكومات على الاستشعار المستمر، وتفسير التحولات في استجابات أصحاب المصلحة والسرديات الإعلامية والمخاطر التي تهدد السمعة، والاستجابة لها. وفي الوقت نفسه، يزيد انتشار المعلومات المضللة والتزييف العميق والتأثير المولَّد بالذكاء الاصطناعي من الأهمية المحورية للأصالة والموثوقية الإعلامية وتحديد المصادر والثقة في الاتصالات الرسمية.

6.1

توجه الاتصالات الحكومية نحو السردية الذكية

يركز البحث في الاتصالات الاستراتيجية في هذا الفصل على كيفية صياغة الحكومات والمؤسسات العامة للسرديات الوطنية، وإدارتها السمعةَ، وتأثيرها في التصورات العامة لدى فئات الجمهور محليًا ودوليًا؛ فهي تحدد السرديات الواجب تقديمها، وأصحاب المصلحة المعنيين بها، والتصورات المراد تشكيلها أو حمايتها من التشويه. وتقع العلاقات العامة في هذا النطاق أداةَ تنفيذ تترجم تلك الأولويات إلى مشاركة إعلامية وحملات واتصالات موجهة إلى الجمهور وإدارة للسمعة واستجابة للأزمات.

ويبحث هذا التحليل المعمق في ملامح هذا التطور، من ابتكار المحتوى وتطويره، إلى آليات نشره وتوزيعه، إلى قياس الأثر وتحقيق القيمة، مع تركيز خاص على الاتصال بين الجهات الحكومية وأصحاب المصلحة في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ويركز على كيفية صياغة السردية الوطنية وتطويرها، وإدارة الحملات الحكومية، وتحليل آراء أصحاب المصلحة وتصوراتهم، والرصد الإعلامي، والتفاعل متعدد اللغات، والاستجابة للأزمات، وإدارة السمعة؛ باحثًا في كيفية نقل قدرات الذكاء الاصطناعي الناشئة للاتصالات الحكومية من نموذج الحملات الدورية والاستجابات الارتدادية إلى نموذج مستمر متنبئ متكيف، يحمي التصور الذهني الوطني ويشكّله.

ويطور الذكاء الاصطناعي هذين المستويين؛ إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي تسريع تطوير الرسائل والمحتوى، فيما تعين التحليلات التنبؤية الحكومات على فهم كيفية تطور السرديات، ورصد المشكلات الناشئة، وتقييم التحولات في تفاعل أصحاب المصلحة مع الأحداث. ومع نضج قدرات الذكاء الاصطناعي الوكيل، يمكنه الربط بين الرصد والتحليل وتطوير المحتوى والاستجابة، بما يدعم تأسيس نموذج مستدام مرن للاتصالات الوطنية.

ويُعد هذا المجال من الحقول بالغة الحساسية في الذكاء الاصطناعي؛ فالحكومات ليست جهات مستخدمة للاتصالات المدعومة بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل تعمل في بيئة معلوماتية تصوغها بصورة متزايدة المعلوماتُ المضللة والتزييف العميق والمحتوى الاصطناعي والتأثير المنسق على الجمهور. ولذلك يصير الذكاء الاصطناعي أداةً لتطوير الاتصالات ووسيلةً لحماية المصداقية والأصالة والثقة التي تشكل ركيزة السمعة الوطنية.

صناعة المحتوى: من إنتاج الرسائل إلى تطوير السردية القائم على المعطيات الذكية

على مستوى الاتصالات الاستراتيجية، يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يدمج الرؤى المستخلصة من التغطية الإعلامية وتفاعل أصحاب المصلحة وأولويات السياسات والسرديات الناشئة، فيعين الحكومات على تحديد المواد الواجب إيصالها وفئات الجمهور المستهدفة والأثر المنشود منها. ويسهم هذا التوجه في تعزيز تطوير السرديات الوطنية، وضمان بقاء الاتصالات مرتكزة على أهداف السياسات والسياق الثقافي والفهم الحالي للبيئة المعلوماتية.

وفي تنفيذ العلاقات العامة والحملات، تُترجم هذه السرديات إلى خطابات ومواد إعلامية ومحتويات للتوعية العامة وأصول للحملات ورسائل للاستجابة للأزمات. ويستطيع الذكاء الاصطناعي التوليدي تسريع صياغة النصوص وتطويعها وتوطينها عبر مختلف القوالب وفئات أصحاب المصلحة، مع بقاء الأحكام البشرية والإشراف التحريري في قلب العملية.

توزيع المحتوى: من الاتصال الجماهيري العام إلى تفاعل هادف ومرن مع أصحاب المصلحة

تحدد الاتصالات الاستراتيجية أصحاب المصلحة المعنيين، والتصورات الواجب تغييرها، وكيفية تنسيق السرديات عبر فئات الجمهور والقنوات المختلفة. ويدعم الذكاء الاصطناعي هذا المحور بمعطيات البيانات الذكية لأصحاب المصلحة، وتصنيف فئات الجمهور، والفهم الفوري لكيفية استجابة المجموعات المختلفة لقضية أو سياسة بعينها.

وهنا يبرز أثر العلاقات العامة جليًّا؛ إذ تتولى العلاقات الإعلامية وحملات التوعية العامة والاتصالات متعددة اللغات والاستجابة للأزمات ترجمةَ السردية العامة إلى تفاعل ملموس مع المواطنين ووسائل الإعلام والمستثمرين والزوار والمؤسسات الدولية والحكومات الأخرى. ويعين الذكاء الاصطناعي على تطويع الاتصالات بحسب صاحب المصلحة والجغرافيا واللغة وقناة النشر والسياق، فيما يتيح الرصد المستمر تطوير الرسائل والتدخلات كلما تغيرت التغطية الإعلامية أو تحولت المواقف العامة أو نشأت قضايا جديدة.

قياس الأثر والقيمة: من رصد أنشطة الاتصال إلى فهم التصورات الوطنية

لا تُقاس القيمة في الاتصالات الحكومية بالعوائد المالية في المقام الأول، بل بمدى إسهام الاتصالات في تعزيز الوعي والثقة والسمعة وفهم السياسات والتصورات الوطنية، وبقدرة الحكومات على رصد المخاطر والاستجابة لها عند تعرض تلك المستهدفات للخطر.

ويستطيع الذكاء الاصطناعي أن يربط الظهور الإعلامي والتوجهات العامة واستجابة أصحاب المصلحة وأداء السردية، فيقدم منظورًا أغنى لكفاءة الاتصالات. وتبقى مقاييس العلاقات العامة، كحجم الوصول والتغطية والتفاعل والتوجه العام، مدخلات مهمة، غير أن الاتصالات الاستراتيجية تتطلع إلى أبعد من هذه المخرجات: إلى فهم السرديات التي تجد صدى حقيقيًا، وكيفية تطور التصورات، ومواضع نشوء المخاطر التي تهدد السمعة، ومدى إسهام الاتصالات في تحقيق الأهداف الوطنية الأوسع. وينتقل التوجه العام إجمالًا من استخدام الذكاء الاصطناعي في إنتاج الاتصالات الحكومية وتوزيعها بكفاءة أعلى وحده، إلى استخدامه طبقةَ معطيات ذكية تعين الحكومات على الفهم المستمر للسرديات الوطنية وصياغتها وحمايتها، مع قيام العلاقات العامة بدور الأداة الحيوية لتفعيل تلك السردية وإدارتها في الحيز العام.

6.2

دراسات حالة: ربط المعطيات الذكية للسردية بتنفيذ الاتصالات

تتجلى التطبيقات الأكثر تحولًا للذكاء الاصطناعي في الاتصالات الحكومية عبر مستويين مترابطين؛ ففي مستوى الاتصالات الاستراتيجية، يعين الذكاء الاصطناعي الحكومات على استشعار البيئة المعلوماتية، وفهم التصورات، والتنبؤ بالمخاطر، وصياغة السرديات الوطنية وحمايتها. وفي مستوى العلاقات العامة، تُترجم تلك الأولويات الاستراتيجية إلى حملات ومشاركة إعلامية واستجابة للأزمات واتصالات عامة وإدارة للسمعة. وتقع أقوى النماذج عند تقاطع المستويين، إذ يُستخدم الذكاء الاصطناعي في فهم كيفية تطور السردية، وتحديد كيفية الاستجابة الحكومية المناسبة وموضعها وتوقيتها.

وتغطي الحالات التالية تطبيقات تقودها الاتصالات الاستراتيجية، وأخرى تقودها العلاقات العامة، وثالثة هجينة بين المجالين، لتوضح كيف بدأ الذكاء الاصطناعي يربط المعطيات الذكية للسردية بتنفيذ أنشطة الاتصالات، من ابتكار المحتوى وتطويره ونشره وتوزيعه إلى قياس الأثر والقيمة.

الإمارات العربية المتحدة

المكتب الإعلامي لحكومة دبي – تحويل الاتصالات في وقت الأزمات إلى إدارة مستمرة للسردية

يتولى المكتب الإعلامي لحكومة دبي تنسيق الاتصالات الحكومية الرسمية والسردية الإعلامية لإمارة دبي. وتشمل مهامه رصد وسائل الإعلام والرأي العام ومتابعتهما، والحفاظ على اتساق الرسائل الحكومية، وتنسيق الاتصالات في حالات الطوارئ والأزمات. ويحدد دليل الاتصال الحكومي لحكومة دبي صراحةً الذكاءَ الاصطناعي والبيانات الضخمة والتحقق من المحتوى وتحليل البيانات تقنياتٍ ينبغي لفرق الاتصال الحكومي أن تحرص على استخدامها.

وخلال التطورات الإقليمية الكبرى في عام 2026، قاد المكتب جهود الاستجابة في مجال الاتصالات على مدار الساعة، مرتكزًا على الرصد المستمر، والاستجابة السريعة للسرديات المضللة، وتحديث الرسائل متعددة اللغات، والتنسيق بين الجهات الحكومية ووسائل الإعلام الدولية. ولم يقتصر الهدف على تقديم المعلومات، بل امتد إلى طمأنة فئات الجمهور والحد من الشائعات وترسيخ سردية دبي المتمحورة حول الاستقرار والمرونة. وقد أثبت هذا النموذج فعاليته، مع توظيف عنصر ناشئ للذكاء الاصطناعي في حالات استجابة محددة للأزمات.

لماذا يُعدّ التغيير ثوريًا:

قد تنتقل وظيفة الاتصال في وقت الأزمات مستقبلًا من نشر التحديثات بعد وقوع الأحداث إلى قدرة دائمة على إدارة السردية، تستشعر البيئة المعلوماتية باستمرار، وترصد المعلومات المضللة، وتنسّق الرسائل، وتطوّع الاستجابة الحكومية مع تطور الأزمة.

المملكة العربية السعودية

وزارة الإعلام السعودية والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) – إدراج حوكمة الذكاء الاصطناعي ضمن الأطر التنظيمية الوطنية

تعمل وزارة الإعلام السعودية والهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا) معًا على دمج الذكاء الاصطناعي في المنظومة الإعلامية للمملكة، مع إرساء الضمانات والركائز التنظيمية لكيفية ابتكار المحتوى الاصطناعي وتوزيعه.

وخلال منتدى الإعلام السعودي لعام 2026، أطلقت الجهتان وثيقة «مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام» مع معسكر ابتكار الإعلام. ويتضمن البرنامج التدريب على الجمع المؤتمت للبيانات ورصد التزييف العميق، فيما تغطي المبادئ الوطنية الشفافية والمصداقية ونزاهة المعلومات ومنع المحتوى المضلل والمسؤولية البشرية والأمن التقني. ويأتي هذا العمل امتدادًا لجهود سدايا السابقة في التعامل مع مخاطر التزييف العميق، ومنها المبادئ التوجيهية الوطنية المصممة للحد من المعلومات المضللة وانتحال الهوية وإساءة استخدام الوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي. ويمثل هذا المشروع اليوم نموذجًا وطنيًا للحوكمة وبناء القدرات أكثر منه منصةً حية لرصد الأزمات في الوقت الفعلي، وهو تمييز مهم تجب الإشارة إليه.

لماذا يُعدّ التغيير ثوريًا:

مع سهولة توليد المحتوى الاصطناعي، تتطلب حماية السرديات الوطنية من الحكومات أن تبني قدرات الرصد والحوكمة والوعي الإعلامي مع قدرات توليد المحتوى، فتصير الأسس الراسخة للثقة جزءًا أصيلًا من الاتصالات الاستراتيجية لا إجراءً لاحقًا.

المملكة العربية السعودية

مؤتمر أطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP16) – حملة "صوت الأرض": تحويل بيانات السياسات إلى سردية عالمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي

عقدت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر مؤتمر الأطراف (COP16) في الرياض، لرفع المكانة العالمية لقضايا تدهور الأراضي وحشد الحكومات والشركات والمواطنين حول الهدف الخامس عشر من أهداف التنمية المستدامة. وكان التحدي في جوهره اتصاليًا: تحويل قضية بيئية معقدة تؤثر في المليارات إلى سردية قادرة على بناء زخم عاطفي وسياسي.

وبالتعاون مع شركة «بيرسون»، طورت الحملة مشروع «صوت الأرض»، وهو مجسم مدعوم بالذكاء الاصطناعي دُرّب على البيانات البيئية والبحوث العلمية والمعارف المحلية. وتمكّن المجسم من التفاعل مع الزوار بالعربية والإنجليزية، فأتاح للأفراد محادثة ثنائية الاتجاه مع تمثيل رقمي للأرض نفسها. وارتبطت التجربة بوسائل الإعلام المكتسبة والتفعيل الاجتماعي والاتصالات الخارجية وتفاعل أصحاب المصلحة.

وسجلت حملة المؤتمر الواسعة النطاق وصولًا يتجاوز 1.3 مليار شخص، وأكثر من 45,000 مقال غير مدفوع في وسائل الإعلام، وزيادة بنسبة 10% في الوعي العام، وصعودًا بنسبة 7% في الرغبة في اتخاذ إجراءات فعلية، مع التعهد بتقديم أكثر من 12 مليار دولار أمريكي للهدف الخامس عشر من أهداف التنمية المستدامة.

لماذا يُعدّ التغيير ثوريًا:

يتيح الذكاء الاصطناعي للحكومات والمؤسسات العامة أن تنتقل من إيصال الأولويات الوطنية أو السياسات المعقدة عبر الحقائق والرسائل الجامدة، إلى سرديات تفاعلية تترجم البيانات إلى تجارب حية، فتتمكن فئات الجمهور من التفاعل مع القضية لا من تلقي المعلومات وحده.

ويتأتى التطور المقبل في الاتصالات الحكومية بربط الاتصالات الاستراتيجية بالعلاقات العامة ربطًا وثيقًا، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في الاستشعار المستمر للسردية وصياغتها، مع ترجمة تلك المعطيات الذكية إلى تفاعل أسرع وأدق استهدافًا وأوثق موثوقية مع فئات الجمهور المعنية.

6.3

الأولويات القيادية في مجال الاتصالات الاستراتيجية والعلاقات العامة

1.

منح الأولوية للذكاء الاصطناعي الذي يعزز ذكاء السردية، لا مجرد إنتاج المحتوى:

تنتقل الفرص الأعلى قيمة إلى المراحل الأولى من العملية، من صياغة النصوص وتوليد المحتوى إلى المعطيات الذكية لوسائل الإعلام، وتوجهات أصحاب المصلحة، ورصد السرديات الناشئة، وتحليل التصورات العامة. وتعين هذه القدرات الحكومات على فهم كيفية تفسير الأولويات الوطنية، وتحديد مواضع نشوء المخاطر أو الفرص التي تمس السمعة.

الأولوية القيادية:توجيه الاستثمارات أولًا إلى قدرات الذكاء الاصطناعي التي تعين الحكومات على الاستشعار المستمر للبيئة المعلوماتية وتفسيرها، والتعامل مع توليد المحتوى طبقةَ تنفيذ لا هدفًا نهائيًا.

2.

بناء منظومة للذكاء الاصطناعي تغطي كامل دورة حياة إدارة الأزمات والسرديات:

تتحقق القيمة الأكبر حين يدعم الذكاء الاصطناعي الدورة الاتصالية للحكومات كاملةً: الاستعداد بتطوير السيناريوهات وخطط الاستجابة، ورصد المشكلات الناشئة والمعلومات المضللة والتحولات في التصورات، والاستجابة وصياغة السردية عبر اتصالات أسرع وتنسيق مستهدف، وحماية الثقة والنزاهة بالتحقق من المعلومات وتحديد التلاعب الاصطناعي ومراقبة تطور السردية.

الأولوية القيادية:بناء قدرات متكاملة مدعومة بالذكاء الاصطناعي تجمع حلقة العمليات (استعد ارصد استجب واصنع السردية احمِ الثقة والنزاهة)، مع وضع أطر حوكمة واضحة وإشراف بشري كامل عند كل نقطة حاسمة لاتخاذ القرار.

3.

ربط الاتصالات الاستراتيجية والعلاقات العامة في سياق حلقة حملات مستمرة ومتكاملة:

يصنع الذكاء الاصطناعي قيمة أكبر عند الربط بين أهداف السردية الاستراتيجية وتنفيذ أنشطة العلاقات العامة؛ إذ تستطيع بيانات التصورات الذكية أن توجّه تخطيط الحملات، واستهداف أصحاب المصلحة، والرسائل متعددة اللغات، والمشاركة الإعلامية، فيما تسهم بيانات استجابة الحملات ووسائل الإعلام في التحسين المستمر لاستراتيجية السردية الأساسية.

الأولوية القيادية:تصميم الاتصالات على حلقة عمليات مغلقة مترابطة (استشعر اصنع السردية فعّل قِس الأثر طوّر)، وربط الاتصالات الاستراتيجية بالعلاقات العامة لتستجيب الحملات والتدخلات المستمرة لتطور فئات الجمهور والسرديات.

وتنبع الميزة المقبلة في الاتصالات الحكومية من توظيف الذكاء الاصطناعي في تعميق الفهم المستمر للتصورات العامة، وصياغة السردية، والاستجابة للمخاطر الناشئة، وحماية الثقة، لا في استخدام التكنولوجيا للتواصل بوتيرة أسرع وحده.

6.4

محطة بارزة: تفاعل المواطنين المدعوم بالذكاء الاصطناعي: الشمولية والوصول والثقة

يغيّر الذكاء الاصطناعي طرق تواصل الحكومات مع فئات الجمهور المتنوعة؛ إذ يمكن للاتصالات أن تصير أقرب إلى الحوار وأكثر تعددية في لغاتها وتخصيصًا، بتطويع اللغة والقالب ومستوى التفاصيل لتلائم المجتمعات المختلفة، وبتيسير الوصول إلى المعلومات وتصفحها. ويفتح هذا التحول آفاقًا واعدة في العالم العربي، إذ تتباين فئات الجمهور تباينًا ملموسًا في مستويات اللغة واللهجة والوعي الرقمي.

وتتجاوز الفرصة المتاحة لخبراء الاتصالات الاستراتيجية مساحات الخدمات الموجهة إلى المواطنين؛ إذ يعين الذكاء الاصطناعي المؤسسات على نقل سردية استراتيجية موحدة عبر لغات وفئات جمهور وقنوات كثيرة، مع تطويع طرق تقديم تلك السردية. ولذلك يتحول التخصيص الفردي إلى قدرة استراتيجية تتيح ملاءمة أعلى للمحتوى دون خسارة اتساق الرسالة الأساسية.

وتتحول الثقة بدورها إلى الضمانة المحورية هنا؛ فالذكاء الاصطناعي قد يولّد إجابات مختلفة لفئات جمهور متنوعة، بينما يجب أن تحافظ الاتصالات الحكومية على صبغتها الرسمية والحيادية والموثوقة. ومن شأن التوطين الضعيف للمحتوى، أو الإجابات غير المتسقة، أو الاستخدام غير المنظم للذكاء الاصطناعي، أن يقوّض المصداقية الإعلامية في المواضع الأشد حاجة إلى الثقة.

وعليه يقوم النموذج الصاعد على تقديم التخصيص الفردي في حدود موثوقة آمنة، بحيث تظل الحقائق والرسالة الاستراتيجية ثابتة متسقة، فيما تُطوَّع اللغة والقالب وآلية التفاعل لتناسب الجمهور. ويجب أن تبقى القنوات المدعومة بالذكاء الاصطناعي مستندة إلى المعلومات المعتمدة رسميًا، شفافةً في استخدام التقنية، مرتبطةً بالمسارات البشرية عند الحاجة.

وفي عالم يسعى إلى تخصيص كل المواد بحسب أفراد الجماهير، لا تكمن الفرصة في إضفاء الطابع الشخصي على كل رسالة حكومية؛ فبعض الاتصالات تفيد من الملاءمة والتوطين العاليين، فيما تتطلب موضوعات أخرى — خاصةً القضايا الحساسة أو المصيرية أو الرسمية — الحفاظ على الاتساق، والمسافة المؤسسية، والصبغة الصريحة للسلطة الرسمية.

وتكمن الفرصة الحقيقية في استخدام الذكاء الاصطناعي للاتصال بمزيد من الدقة والحكم السديد، لا لزيادة التخصيص وحدها؛ فلن يتحدد مستقبل الاتصالات الموثوقة بحجم ما تحققه الحكومات من تخصيص، بل بكيفية اتخاذها قرارات ذكية تحدد التوقيت المناسب لتطبيقه.

07.

أثر الذكاء الاصطناعي على الأطر التنظيمية لقطاع الإعلام

7.1

حوكمة الإعلام القائم على الذكاء الاصطناعي: حماية الثقة والإبداع والحرية

يفرض الذكاء الاصطناعي تحديات تنظيمية لم تُصمَّم الأطر الإعلامية القائمة لمعالجتها، من تحديد أصالة المحتوى وملكية المخرجات المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، إلى حماية الهوية البشرية وإرساء أسس المساءلة حين يشارك الذكاء الاصطناعي في صناعة المحتوى وتوزيعه. ولذلك ينتقل النقاش التنظيمي من سؤال عام عن الطريقة المثلى لتنظيم بيئة الذكاء الاصطناعي، إلى خيارات يواجهها قطاع الإعلام: ما الذي ينبغي حمايته؟ ولمن تعود ملكية الأصول المختلفة؟ ومن الطرف المساءل؟ ومتى ينبغي إعلام الجمهور بمدى تدخل الذكاء الاصطناعي؟ وكيف تتناغم آليات الحماية هذه مع حرية التعبير والحرية الإبداعية واستمرارية الابتكار؟ أما الفرصة المتاحة للإعلام العربي فلا تكمن في استنساخ النماذج التنظيمية الناشئة في أسواق أخرى، بل في الإفادة من تجربة الأسواق الرائدة في تناول هذه الأسئلة ومعالجتها، وتطوير إطار عمل يلائم المنظومة الإعلامية في المنطقة، ويحمي الثقة والحقوق والمساءلة دون تقييد الابتكار الذي يمكّنه الذكاء الاصطناعي.

7.2

خمس مشكلات تنظيمية لا تستطيع قواعد الإعلام التقليدية لمعالجتها

01. لا يمكن افتراض أصالة المحتوى كأمر بديهي

على امتداد معظم تاريخ الإعلام، كانت الصورة أو التسجيل الصوتي أو مقطع الفيديو تُعدّ دليلًا، ولو جزئيًا، على وقوع حدث أو تفاعل. غير أن الوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي تقوّض هذا الافتراض؛ إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي اليوم توليد مقطع مرئي مقنع لحدث لم يقع، أو إعادة إنشاء صوت زعيم سياسي، أو تعديل مقابلة صحفية، أو تقديم مذيعين اصطناعيين بالكامل يصعب تمييزهم من البشر. ولذلك ينتقل الإطار التنظيمي من ضبط المعلومات الكاذبة وإيقافها إلى إثبات مصدر المحتوى: هل يستطيع الجمهور تحديد مصدره، ومعرفة ما إذا كان قد خضع لتعديل جوهري، ومن يقف وراءه؟ وتكتسب هذه المسألة أهمية قصوى في الأخبار والقضايا الراهنة والاتصالات السياسية وسائر مكونات المصلحة العامة، إذ تحمل أصالة المحتوى نفسها قيمة معلوماتية.

02. الذكاء الاصطناعي يفصل بين هوية الشخص والشخص نفسه

تحمي حقوق الطبع والنشر الأعمال عادةً، كالصور أو التسجيلات أو مقاطع الأداء أو النصوص أو البرامج. لكن الذكاء الاصطناعي التوليدي يقدر على إعادة إنتاج الشخص نفسه؛ أي إن النموذج يقدر على تقليد صوت شخص دون نسخ تسجيل بعينه، أو إعادة إنشاء مظهر ممثل دون نسخ فيلم من أفلامه، أو إنشاء أداء جديد لم يقدمه الفنان أصلًا. ويكشف ذلك فجوةً بين حقوق الملكية الفكرية وحقوق الهوية. وقد أقرت حكومة المملكة المتحدة بهذه المشكلة صراحةً في مراجعة عام 2026، ضمن مشاوراتها حول حقوق الطبع والنشر والذكاء الاصطناعي التي امتدت بين عامي 2024 و2025؛ فمالك حقوق الطبع والنشر لصورة أو تسجيل أو فيلم قد لا يكون هو الشخص الذي استُنسخ وجهه أو صوته. ولذلك تدرس الحكومة توفير حماية أقوى للنسخ الرقمية المطابقة أو لحقوق الشخصية. وعليه استحدث الذكاء الاصطناعي أصلًا إعلاميًا جديدًا هو الذات الرقمية.

03. الحدود بين التعلم من المحتوى واستغلاله باتت غير واضحة المعالم

يقوم الذكاء الاصطناعي التوليدي على المعارف والإنتاج الإبداعي البشري القائم، وهو ما يطرح سؤالًا اقتصاديًا جوهريًا: متى يتحول التعلّم من المحتوى إلى استغلال تجاري له؟ تركّزت القضية في البداية على تدريب الذكاء الاصطناعي، غير أن الذكاء الاصطناعي الوكيل يوسّع التحدي؛ فقد لا يحتاج الوكيل إلى تدريب دائم على أرشيف ناشر بعينه، بل يستطيع أن يسترجع مقالًا ويحلله ويستخلص المعلومات منه وينشئ إجابة مخصصة تلائم السؤال فورًا، فيلبي حاجة المستخدم دون أن يحتاج إلى الوصول إلى الناشر الأصلي. ومعنى ذلك أن السؤال التنظيمي ينتقل إلى مرحلة أخرى: فبدلًا من السؤال عن إمكان تدريب الذكاء الاصطناعي على محتوى بعينه، ينصبّ السؤال على الشروط التي يصل بموجبها إلى هذا المحتوى ويفسره ويحوّله ويستخدمه تجاريًا.

04. تصبح المساءلة أمرًا صعب التطبيق عندما يشارك الذكاء الاصطناعي في كافة مراحل سلسلة القيمة

قد يتولى أحد وكلاء الذكاء الاصطناعي إجراء البحث في مادة إعلامية مستقبلية، بينما يكتبها نموذج آخر، ويترجمها نموذج ثالث، ويؤديها مذيع اصطناعي، وتخصصها خوارزمية، ثم يتم توزيعها تلقائيًا. وفي حال وقوع خطأ ما، فإن المسؤولية ستتوزع بين أطراف متعددة:

  • مطور النموذج
  • المؤسسة الإعلامية
  • صانع المحتوى
  • منصة التوزيع
  • الشخص الذي يوظف الذكاء الاصطناعي
  • وكيل الذكاء الاصطناعي المستقل.

ومع ذلك، فلا يمكن تحميل نظام الذكاء الاصطناعي المسؤولية التحريرية. وفي مجال إعلام المصلحة العامة على وجه الخصوص، فلا بد أن تبقى المسؤولية منسوبة في نهاية المطاف إلى شخص أو كيان قانوني.

05. نطاق عمليات الذكاء الاصطناعي عالمي، أما تنظيم الإعلام فيبقى مرتبطًا بالحدود الإقليمية

قد تُدرَّب نماذج الذكاء الاصطناعي في دولة، وتُستضاف في دولة ثانية، وتنتج محتوى يتعلق بشخص في دولة ثالثة، ثم يُوزَّع هذا المحتوى عالميًا في ثوانٍ. وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في الإعلام العربي العابر للحدود بطبعه؛ فالبرنامج الذي يُنتج في دبي أو الرياض قد يصل في الوقت نفسه إلى جمهور في الخليج وبلاد الشام وشمال إفريقيا. ومعنى ذلك أن معايير مختلفة في حقوق الطبع والنشر والمحتوى الحساس ثقافيًا والخطاب السياسي والمعلومات المضللة وحقوق الأفراد قد تنطبق على المادة المولَّدة بالذكاء الاصطناعي نفسها. ولا يقتصر التحدي التنظيمي على تحديد القواعد الواجب فرضها، بل يشمل الآليات التي تضمن التوافق البيني لهذه القواعد عبر مناطق الاختصاص القضائي المختلفة.

وتشير هذه التحديات مجتمعةً إلى قصور جوهري في تنظيم الذكاء الاصطناعي بوصفه تقنية واحدة؛ فالمخاطر التي ينشئها في قطاع الإعلام تختلف اختلافًا كبيرًا بحسب طبيعة المحتوى، والجهة التي تتأثر حقوقها به، وكيفية استخدامه في نهاية المطاف. فقد يقوم تقرير إخباري اصطناعي وشخصية سينمائية مولَّدة بالذكاء الاصطناعي وصوت مستنسخ لممثل على تقنيات متشابهة، لكنها تثير أسئلة مختلفة جذريًا في الثقة والملكية والضرر المترتب. لذا ينبغي أن تنتقل الاستجابة التنظيمية من التركيز على تنظيم الذكاء الاصطناعي نفسه إلى حماية الحقوق والمصالح التي تتأثر باستخدامه؛ وهو ما يتطلب التمييز بين الأنواع المختلفة من المحتوى الإعلامي والأصول الإعلامية، وتحديد المواضع التي تبرر تدابير وقائية أشد، والمواضع التي ينبغي أن تسود فيها حرية الإبداع.

7.3

اختلاف الأصول الإعلامية يستدعي اختلافًا في الاستجابة التنظيمية

يصعب تطبيق نهج موحد على المواد الإعلامية المولَّدة أو المدعومة بالذكاء الاصطناعي كلها، خاصةً مع التوسع في دمج التقنية في سير العمل اليومي للإنتاج. ولا بد من تحديد مستوى التدخل الملائم بحسب طبيعة الأصل والحقوق المعنية والضرر المحتمل. وتستدعي خمسة مجالات هنا تعاملًا مختلفًا.

1. إعلام المصلحة العامة والإعلام القائم على الحقائقحماية الأصالة والمساءلة

ويشمل نشرات الأخبار والصحافة والاتصالات الحكومية والأفلام الوثائقية والتقارير القائمة على الحقائق والمعلومات التي تتيحها الجهات الرسمية. وينبغي في هذه المجالات تقديم حق الجمهور في إدراك أصالة المحتوى على ما سواه. ولذلك ينبغي أن يركز الإطار التنظيمي على:

  • الإفصاح عن المحتوى الاصطناعي أو المعدل بصورة جوهرية
  • إثبات مصدر المحتوى والمصادقة القابلة للقراءة آليًا
  • إمكانية تتبع المصادر
  • تقصي الحقائق والتثبت من صحتها
  • تحديد جهات المساءلة التحريرية بوضوح
  • فرض متطلبات أشد صرامة على محتوى التمثيل الاصطناعي لأحداث أو أشخاص حقيقيين

وقد بدأ الاتحاد الأوروبي بالفعل يتحول إلى هذا التمييز؛ إذ صارت التزامات الشفافية بموجب المادة (50) من قانون الذكاء الاصطناعي تشمل التزييف العميق وبعض أنماط محتوى النفع العام المولَّد بالذكاء الاصطناعي، اعتبارًا من 2 أغسطس 2026، مع الإقرار بأن المؤثرات الإنتاجية العادية أو المحتوى الخيالي الصريح لا يلزم بالضرورة أن يعامَل بالمثل. وقد يسهم الذكاء الاصطناعي في صناعة الصحافة، لكنه لا يجوز أن يلغي المساءلة التحريرية.

2. الوجه والصوت والأداء البشريحماية الذات الرقمية

ينبغي التعامل مع وجه الشخص وصوته وأدائه، وهي عناصر مميزة يمكن التعرف عليها، على نحو منفصل عن حقوق الطبع والنشر التقليدية. ويمكن أن يقوم إطار تنظيمي ناشئ على ثلاثة حقوق جوهرية: الموافقة، والتحكم، والتعويض. وعلى الأفراد في هذا السياق معرفة الأمور التالية والموافقة عليها:

  • مدى إمكانية إنشاء نسخة رقمية مطابقة لهم
  • أوجه استخدام هذه النسخة
  • مدة صلاحية الإذن باستخدامها
  • مدى إمكانية تعديل النسخة
  • إمكانية الترخيص من الباطن باستخدامها
  • إمكانية استخدامها للمصادقة على منتجات أو آراء
  • ماهية التعويض الذي يتلقاه الشخص

وقد أدخلت ولاية كاليفورنيا بالفعل ضمانات للموافقة تتعلق بالصور الرقمية المطابقة لفناني الأداء، وأوصى مكتب حقوق الطبع والنشر بالولايات المتحدة بتوفير حماية فدرالية للتعامل مع النسخ الرقمية غير المصرح بها. وتشير هذه الإجراءات إلى مبدأ مستقبلي مهم: ملكية المحتوى لا تعني تلقائيًا ملكية الشخص الذي يظهر فيه. فقد تملك شركة إنتاج حقوق فيلم دون أن تملك حقوق وجه الممثل الذي يظهر فيه إلى الأبد، وقد تملك جهة بث حقوق تسجيل مقابلة دون أن تحصل على حقوق غير محدودة في إعادة توليد صوت الضيف اصطناعيًا.

3. المحتوى المحمي بحقوق الطبع والنشر ومكتبات الأرشيف الإعلاميحماية القيمة الاقتصادية بالتوازي مع تمكين ابتكار الذكاء الاصطناعي

تمثل أرشيفات الأخبار والأفلام والبرامج التلفزيونية والموسيقى والصور والنصوص وسائر أشكال المحتوى الاحترافي مدخلات قيّمة لأنظمة الذكاء الاصطناعي.

ولا يلزم بالضرورة استبعاد هذه المواد من منظومة الذكاء الاصطناعي، إذ قد تتيح هذه التقنية فرصة لجعل حقوق هذا المحتوى أقبل للتداول وتحقيق الإيرادات. ويستطيع أصحاب الحقوق أن يحددوا إمكان استخدام أصولهم في المجالات التالية:

  • تدريب النماذج
  • الضبط الدقيق للنصوص
  • الاسترجاع والتوليد المدعوم بالاسترجاع (RAG)
  • الترجمة
  • الدبلجة الاصطناعية
  • التلخيص
  • التكييف
  • الإعلانات
  • التوليد على نطاق تجاري

وقد تصبح أذونات الاستخدام في نهاية المطاف قابلة للقراءة آليًا. وفي هذه الحالة يستطيع نظام الذكاء الاصطناعي أن يسأل عمليًا: هل يجوز لي استخدام هذا المحتوى، لهذا الغرض، وفي هذا السوق، وبهذا السعر؟

4. المحتوى الاصطناعي الخادع والضارالحد من الضرر الضرر وعدم الاكتفاء بالإفصاح عن الذكاء الاصطناعي

تستدعي بعض الاستخدامات تدخلًا أكثر صرامة، ومن أمثلتها:

  • انتحال الشخصية لأغراض احتيالية
  • المحتوى الاصطناعي المصمم للتحريض على العنف
  • سرقة الهوية
  • الأدلة الملفقة عمدًا
  • بعض صور التضليل السياسي الخبيث

وفي هذه الحالات لا يكفي عادةً إرفاق عبارة «مولَّد بالذكاء الاصطناعي»، إذ لا بد أن يركز الإطار التنظيمي على معالجة الضرر الفعلي عبر الحظر واستجابة المنصة المعنية وفرض متطلبات إزالة المحتوى والمساءلة.

5. أشكال المحتوى الإبداعي والفني والخيالي والساخرحماية الحرية الإبداعية

ينبغي أن يخضع هذا المحتوى لأدنى مستويات التدخل التنظيمي؛ فالمؤثرات السينمائية والشخصيات الخيالية والتجارب الفنية والمحاكاة الساخرة والألعاب الإلكترونية والرسوم المتحركة والإنتاج المدعوم بالذكاء الاصطناعي لا تستدعي التدابير الوقائية نفسها المطبقة على الأخبار الاصطناعية أو حالات انتحال الشخصية لأغراض احتيالية.

ويقر نهج الاتحاد الأوروبي بهذا التمييز بالفعل، إذ يطرح معاملة أكثر تناسبًا لمحتوى التزييف العميق الذي يتضح طابعه الفني أو الخيالي أو الساخر أو الإبداعي. ويكتسب ذلك أهمية بالغة، لأن التنظيم المصمم لحماية المبدعين قد يتحول بدوره إلى قيد على الإبداع.

الشكل 21: الاعتبارات التنظيمية بحسب نوع الأصل الإعلامي
الأصل الإعلامي/الاستخدامالمصلحة المطلوب حمايتهاالاعتبار التنظيمي

الأخبار والإعلام القائم على الحقائق

الحفاظ على ثقة الجمهور مع حماية الاستقلال التحريري

إثبات المصادر والإفصاح بالقدر الملائم، مع تحديد المساءلة التحريرية بوضوح

الصوت والوجه والأداء

الحفاظ على الحقوق الفردية مع تمكين الاستخدام الاصطناعي المشروع

الموافقة والتحكم والتعويض

أشكال المحتوى ومكتبات الأرشيف المحمية بحقوق الطبع والنشر

حماية قيمة المبدعين وأصحاب الحقوق مع إتاحة وصول الذكاء الاصطناعي والابتكار

الترخيص والأذونات القابلة للقراءة آليًا

التمثيل الاصطناعي لأشخاص أو أحداث حقيقية

الحفاظ على الأصالة دون تقييد التحول الإبداعي المشروع

تعريف المحتوى بوضوح ومتطلبات أشد صرامة للموافقة عند اللزوم

الأعمال الخيالية والساخرة والإبداعية

الحفاظ على حرية التعبير والتجريب الإبداعي

تدخل متناسب وأخف وطأة

من المبادئ إلى التطبيق

عند الموازنة بين هذه المصالح يبدأ التباعد بين المقاربات العالمية؛ فقد قدّمت بعض مناطق الاختصاص القضائي الشفافية وإثبات المصدر، وركّز بعضها الآخر على حقوق المبدعين وحقوق الشخصية، وتخوض أخرى تجارب في منح التراخيص والحلول القائمة على آليات السوق.

7.4

لم تنجح أي من الأسواق في تحقيق التوازن الكامل، لكنها مقارباتها المختلفة تقدم ركائز مهمة لما قد تبدو عليه المرحلة المقبلة

لا تحتل جهة عالمية بعينها الصدارة في تنظيم الإعلام والذكاء الاصطناعي، فالريادة هنا تتوقف على المصلحة المطلوب حمايتها؛ إذ يتقدم الاتحاد الأوروبي في الحوكمة الشاملة للذكاء الاصطناعي، وأحرزت الصين تقدمًا أكبر في تفعيل قابلية تتبع المحتوى الاصطناعي، وطوّرت الولايات المتحدة آليات حماية أقوى للهوية الرقمية وفناني الأداء، فيما تستكشف المملكة المتحدة إمكانات تعزيز الإطار التنظيمي عبر أسواق ترخيص جديدة.

المملكة المتحدة

المملكة المتحدة – تعزيز الإطار التنظيمي عبر سوق لترخيص المحتوى الإبداعي لشركات الذكاء الاصطناعي

تخطت المملكة المتحدة حصر خيارها بين حماية حقوق الطبع والنشر وتطوير الذكاء الاصطناعي، وتتجه إلى تمكين سوق أكثر فاعلية للترخيص. وفي أعقاب مشاوراتها لعام 2026 بشأن حقوق الطبع والنشر والذكاء الاصطناعي، تواصل الحكومة بحث سبل تضمن للمبدعين التحكم في أعمالهم، وتمنح مطوري الذكاء الاصطناعي وصولًا مشروعًا إلى المحتوى. وتمثل سوق المحتوى الإبداعي، التي اختبرتها 12 مؤسسة ثقافية، خطوة مبكرة نحو تطوير منصة سوقية موثوقة لترخيص الأصول الإبداعية الرقمية.

الأهمية لقطاع الإعلام:

بدلًا من الاعتماد على اللوائح التنظيمية وحدها، تستكشف المملكة المتحدة إمكان استحداث بنية تحتية تيسّر الوصول إلى المحتوى المرخص وتحقيق الإيرادات من الملكية الفكرية.

الصين

الصين – اشتراط بقاء المحتوى المولد بالذكاء الاصطناعي قابلًا للتعريف أينما تم نشره أو مشاركته

تشترط الصين أن ترافق النصوصَ والصورَ وتسجيلاتِ الصوت ومقاطعَ الفيديو المولَّدة بالذكاء الاصطناعي معلوماتُ تصنيف ظاهرة وبيانات وصفية مدمجة في الوقت نفسه، وتنسب المسؤوليات إلى الأطراف المعنية كلها، من مقدمي المحتوى إلى منصات التوزيع. وتحظر القواعد المفروضة إزالة معلومات وصف محتوى الذكاء الاصطناعي الإلزامية أو التلاعب بها.

الأهمية لقطاع الإعلام:

تستحدث الصين آلية ثابتة مستمرة للتعرف على المواد الإعلامية المولَّدة بالذكاء الاصطناعي في أثناء انتقالها عبر المنصات.

الاتحاد الأوروبي

الاتحاد الأوروبي – قواعد الذكاء الاصطناعي تحمي المحتوى الخاضع لحقوق الطبع والنشر وتشترط مزيدًا من الشفافية فيما يتعلق بالمواد الإعلامية المولدة بالذكاء الاصطناعي

يتناول قانون الذكاء الاصطناعي في الاتحاد الأوروبي جانبي المنظومة الإعلامية: كيفية استخدام المحتوى الخاضع لحقوق الطبع والنشر في تطوير الذكاء الاصطناعي، وكيفية وصول المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي إلى الجمهور. ويخضع مقدمو نماذج الذكاء الاصطناعي للأغراض العامة لمتطلبات الشفافية في حقوق الطبع والنشر وبيانات التدريب، مع اشتراط التعريف ببعض أشكال المحتوى المولَّد أو المعدَّل بالذكاء الاصطناعي، والإفصاح عن مواد التزييف العميق. ويقر الإطار التنظيمي كذلك بدور الإشراف التحريري البشري في محتوى النفع العام.

الأهمية لقطاع الإعلام:

يحدد الاتحاد الأوروبي مسؤوليات أوضح في الحقوق وإثبات المصدر والمساءلة التحريرية عبر دورة حياة المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي.

الإمارات العربية المتحدة

الإمارات العربية المتحدة – حوكمة استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام من خلال قواعد وطنية أشمل للذكاء الاصطناعي المسؤول

تعالج الإمارات العربية المتحدة اليوم استخدام الذكاء الاصطناعي في الإعلام أساسًا عبر أطر حوكمة الذكاء الاصطناعي العابرة للقطاعات والإطار التنظيمي القائم لقطاع الإعلام. ويحدد ميثاق تطوير الذكاء الاصطناعي واستخدامه مبادئ تتصل بالسلامة والخصوصية والشفافية والإشراف البشري والمساءلة، بدلًا من إنشاء نظام مستقل خاص بالذكاء الاصطناعي في الإعلام.

الأهمية لقطاع الإعلام:

تعمل المؤسسات الإعلامية في إطار شامل للذكاء الاصطناعي المسؤول، إذ ما تزال الحوكمة الموجهة تحديدًا إلى قطاع الإعلام أقل تقنينًا مما هي في بعض الأسواق المجاورة.

المملكة العربية السعودية

المملكة العربية السعودية – وضع مبادئ مخصصة للذكاء الاصطناعي ترسي قواعد أوضح لاستخدامه في المؤسسات الإعلامية

عززت المملكة العربية السعودية إطارها الوطني الأشمل للذكاء الاصطناعي بمبادئ مخصصة للذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام، طُرحت عام 2026، وتشمل استخدامه في الإنتاج والتحرير والنشر وإعادة التوزيع، مع التركيز على الشفافية والتحقق والخصوصية والملكية الفكرية والمساءلة.

الأهمية لقطاع الإعلام:

تنتقل المملكة العربية السعودية من الحوكمة الأفقية للذكاء الاصطناعي إلى إرساء إرشادات خاصة بالإعلام، فتضع المؤسسات أمام توقعات أوضح لكيفية صناعة المحتوى المدعوم بالذكاء الاصطناعي ومراجعته وتوزيعه.

الشكل 22: المقاربات التنظيمية الناشئة
السوقالنهج الناشئالدروس الرئيسية

الاتحاد الأوروبي

إطار تنظيمي قائم على المخاطر، ومتطلبات تتعلق بالشفافية وحقوق الطبع والنشر

تنظيم الاستخدام بحسب المخاطر والحقوق المتأثرة، وليس بحسب استخدام الذكاء الاصطناعي بحد ذاته

المملكة المتحدة

إطار تنظيمي قائم على المبادئ يقترن ببنية تحتية ناشئة للترخيص

توظيف الأسواق والترخيص جنبًا إلى جنب مع الإطار التنظيمي

الولايات المتحدة الامريكية

إطار تنظيمي مجزأ للذكاء الاصطناعي، مع وجود آليات حماية ناشئة للنسخ الرقمية المطابقة وفناني الأداء

حماية الصوت والوجه والهوية الرقمية بصورة منفصلة عن حقوق الطبع والنشر

الصين

اشتراط تعريف المحتوى الاصطناعي بمعلومات وصفية ظاهرة وأخرى قابلة للقراءة آليًا

تحويل الشفافية إلى عملية تتبع موثق للمحتوى ومصدره الأصلي

الإمارات العربية المتحدة

حوكمة الذكاء الاصطناعي العابرة للقطاعات جنبًا إلى جنب مع المعايير القائمة لتنظيم الإعلام والمحتوى

دمج الذكاء الاصطناعي ضمن أطر المساءلة والإشراف الإعلامي الأشمل

المملكة العربية السعودية

مبادئ مخصصة للذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام تشمل الشفافية والتحقق والملكية الفكرية والخصوصية والمحتوى المضلل

تطوير مبادئ خاصة بالإعلام تشمل كافة مراحل دورة حياة المحتوى

تكشف المقارنة أن أي سوق بعينها لم تنجح في بناء نموذج تنظيمي متكامل للذكاء الاصطناعي والإعلام.

ويُرجَّح أن يجمع الحل الناشئ بين عناصر من هذه المقاربات جميعًا: التدخل المستند إلى المخاطر، وإثبات مصدر المحتوى، وحقوق الهوية الرقمية، وتحديد المسؤولية بوضوح، والآليات التي تتيح للذكاء الاصطناعي الوصول المشروع إلى الأصول الإبداعية وترخيصها.

من الدروس العالمية إلى نموذج إعلام عربي

تطرح هذه المقاربات عناصر أساسية مفيدة، غير أنها لا تُنقل ببساطة إلى المنظومة الإعلامية العربية؛ فبحكم التنوع اللغوي وتنوع ثقافات الجمهور والطابع العابر للحدود في السوق الإعلامية، يخضع قطاع الإعلام العربي لاعتبارات إضافية في كيفية تطبيق المبادئ التنظيمية العالمية.

وعليه لا يدور السؤال حول وجوب اتباع الأسواق العربية أحدَ النماذج الدولية، بل حول العناصر التي يجب تكييفها مع خصائص المنظومة الإعلامية الإقليمية.

7.5

حاجة الإعلام العربي إلى تكييف الأطر القائمة بدلًا من استحداث نظام تنظيمي جديد كليًا

توفر المقاربات العالمية عناصر أساسية مفيدة لحوكمة التقنيات، غير أنها لا تُنقل ببساطة إلى المنظومة الإعلامية العربية؛ إذ يفرض التنوع اللغوي في المنطقة وتعدد ثقافات الجمهور وطبيعة السوق الإعلامية العابرة للحدود اعتبارات إضافية عند تطبيق المبادئ التنظيمية العالمية.

ومن المهم إدراك أن التحديات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي لا تستلزم بالضرورة سن تشريعات مستحدثة؛ فكثير من التداعيات المقترنة بالإعلام المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ومنها المعلومات المضللة وانتهاكات الخصوصية والاحتيال والتعدي على حقوق الطبع والنشر والمحتوى الضار، تعالجها بالفعل، جزئيًا على الأقل، القوانينُ واللوائح الحالية المنظمة لشؤون الإعلام والبيانات والملكية الفكرية والمعاملات الرقمية.

ولذلك ينبغي أن يركز السؤال الأول على مدى كفاءة التشريعات الحالية وملاءمتها وصلاحيتها للعمل عند دخول الذكاء الاصطناعي في المنظومة. وينبغي أن تركز القواعد الجديدة المخصصة للذكاء الاصطناعي على المواضع التي يفرز فيها قضايا مختلفة جوهريًا: الهوية الاصطناعية، وإثبات مصادر المحتوى، وآليات وصول الآلات إلى المحتوى المحمي بحقوق الملكية، وتحديد المسؤولية والمساءلة عبر سير العمل الإعلامي المؤتمت على نحو متزايد.

بناء تدابير وضمانات تتعامل مع تنوع اللهجات العربية

لا يكفي الالتزام التنظيمي في البيئة الإعلامية العربية باشتراط أن يدعم النظام «اللغة العربية»؛ بل يجب أن تقدر تدابير الذكاء الاصطناعي وضماناته وأنظمة الإشراف على المحتوى على التعامل مع العربية الفصحى الحديثة ومختلف اللهجات، وأن تتعرف على السياق والفكاهة والسخرية والتعبيرات الخاصة بالثقافة. ولذلك ينبغي اختبار تكافؤ الضمانات لغويًا، لا الاكتفاء بترجمتها.

على المعايير الإقليمية حماية الحقوق المشتركة دون افتراض وجود قيم موحدة

تتشارك الأسواق العربية مقومات وثقافات عريقة مهمة، لكنها ليست بيئة متجانسة؛ وعليه قد تؤدي محاولة فرض تفسير موحد لـ«القيم العربية» إلى تقييد العمل الصحفي المشروع أو الأعمال الساخرة أو التعبير الفني. ولذلك يحسن أن يركز التنسيق الإقليمي على الحقوق المشتركة والمعايير الفنية الموحدة، وفي مقدمتها إثبات مصادر المحتوى والموافقات وحماية الهوية، مع منح كل سوق إقليمية المرونة الكاملة لتنظيم معايير المحتوى الخاصة بها.

ضرورة انتقال الحقوق بالتزامن مع المحتوى

الإعلام العربي عابر للحدود متعدد اللغات بطبعه؛ إذ يمكن ترجمة المحتوى ودبلجته اصطناعيًا وتعديله وإعادة نشره وتوزيعه في مختلف الأسواق والمنصات الرقمية في لحظات. ولذلك لا بد من ضمان بقاء مؤشرات إثبات المصادر وحقوق الملكية الفكرية ملازمةً للأصل الإعلامي أينما انتقل عبر اللغات والمنصات ومناطق الاختصاص القضائي.

تقاطع تنظيم الذكاء الاصطناعي والإعلام بصورة متزايدة مع السيادة

مع تقدم دمج الذكاء الاصطناعي في مختلف مجالات قطاع الإعلام، يتزايد التقاطع بين الأطر التنظيمية وسيادة البيانات والتكنولوجيا؛ ويشمل ذلك مواقع تخزين البيانات والمحتوى الاستراتيجيين، والجهات المخولة بالوصول إليهما، والمنصات التي تعالجهما، والجهات التي تستأثر بالقيمة الناتجة منهما.

ويتجاوز مفهوم السيادة في قطاع الإعلام البنية التحتية وتوطين البيانات، ليشمل قدرة المنطقة على الاحتفاظ بسلطة القرار في أرشيفاتها الإخبارية ومكتباتها السمعية البصرية وملكيتها الفكرية وأصولها اللغوية ومحتواها الثقافي، مع تحول هذه الأصول إلى مدخلات قيّمة لأنظمة الذكاء الاصطناعي. ولا ينبغي أن ينصبّ التركيز على استبعاد هذه الأصول من منظومات الذكاء الاصطناعي العالمية، بل على وضع شروط أوضح لكيفية الوصول إليها واستخدامها وتحقيق الإيرادات منها.

من تداخل الأنظمة إلى إطار متكامل

ينبغي النظر إلى المشهد التنظيمي الناشئ منظومةً متكاملة، لا «قانونًا للذكاء الاصطناعي والإعلام» قائمًا بذاته؛ فإطار التنظيم الإعلامي القائم يواصل معالجة مجالات كالمعلومات المضللة ومعايير المحتوى، فيما تنظم حقوق الملكية الفكرية وحقوق الشخصية مسائل الملكية والهوية، وتعالج أطر البيانات والتكنولوجيا مسائل الخصوصية والبنية التحتية والسيادة، وتسد الأنظمة المختصة بالذكاء الاصطناعي الفجوات الجديدة فعلًا في إثبات المصدر والوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي وأتمتة المساءلة. ولا تكمن الأولوية في زيادة التنظيم في كل مجال، بل في توضيح كيفية عمل هذه الأطر معًا.

الأولوية القيادية

لا يستدعي الذكاء الاصطناعي إعادة بناء إطار تنظيم الإعلام من الصفر؛ فكثير من القضايا التي يبرزها بقوة أكبر، من المعلومات المضللة وانتهاك حقوق الطبع والنشر إلى الخصوصية ومعايير المحتوى، تعالجها الأطر القائمة بالفعل. وتكمن الأولوية في تحديد المواضع التي تظل فيها هذه الأطر كافية، والمواضع التي ينشئ فيها الذكاء الاصطناعي أسئلة جديدة فعلًا، وكيف ينبغي أن يعمل تنظيم الإعلام إلى جانب السياسات الأشمل للذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا والسيادة.

ويتطلب ذلك نهجًا تنظيميًا منسقًا لا تراكميًا؛ إذ تبرز الحاجة إلى صياغة أحكام موجهة حين يغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة القضية، كالهوية الاصطناعية، وإثبات مصدر المحتوى، وأتمتة المساءلة، ووصول الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى الخاضع للحماية. وينبغي للإطار التنظيمي في الوقت نفسه أن يحافظ على حرية الإعلام والإبداع، وأن يتيح للمؤسسات قدرًا كافيًا من اليقين لتتبنى الذكاء الاصطناعي بمسؤولية.

وتكمن الفرصة أمام الإعلام العربي في تجاوز النظر إلى الإطار التنظيمي مجموعةَ ضوابط، والانتقال إلى تطوير منظومة للحقوق والثقة مصممة للذكاء الاصطناعي من الأساس. وينبغي لهذه المنظومة أن تحمي الجمهور والمبدعين، وتتيح الوصول المشروع إلى المحتوى الإقليمي، وتعزز القدرة على التحكم في الأصول الإعلامية والثقافية الاستراتيجية، وترسي أسس نماذج جديدة للترخيص وتحقيق الإيرادات.

ومعنى ذلك أن الأولوية القيادية لا تكمن في تنظيم كل تطبيق جديد للذكاء الاصطناعي، بل في بناء القواعد والمؤسسات والبنية التحتية التي تتيح للذكاء الاصطناعي والإعلام والإبداع البشري أن تتعايش وتحقق القيمة على أسس موثوقة.

08.

أثر الذكاء الاصطناعي على الكفاءات الإعلامية

8.1

الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الكوادر العاملة في قطاع الإعلام – وآليات إعداد الكفاءات المستقبلية

يغيّر الذكاء الاصطناعي كيفية صناعة المحتوى الإعلامي، غير أن أثره في الكوادر الإعلامية أعقد من إحلال التقنية محل البشر.

فقد أنشأت التكنولوجيا على مدار التاريخ فرصًا وظيفية، وأدت من جهة أخرى إلى الاستغناء عن وظائف. وتشير الأدلة الحالية إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يسلك مسارًا مشابهًا؛ إذ يقدّر المنتدى الاقتصادي العالمي أن يسهم الذكاء الاصطناعي وتقنيات معالجة المعلومات في إنشاء نحو 11 مليون وظيفة عالميًا بحلول عام 2030، مقابل الاستغناء عن نحو 9 ملايين وظيفة. وعلى نطاق أوسع، يبقى التغير التقني من أكبر العوامل المسهمة في إنشاء الوظائف عالميًا.

ويكتسب التمييز بين المهام والوظائف أهمية خاصة في قطاع الإعلام؛ إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد تنفيذ أنشطة مفردة كانت تتطلب جهدًا بشريًا كبيرًا، لكن أتمتة مهمة لا تلغي بالضرورة المهنة المرتبطة بها. فتُعاد صياغة الأدوار القائمة، وتظهر أدوار جديدة، وتتجه المساهمة البشرية إلى أنشطة تتطلب قدرًا أكبر من حسن التقدير والإبداع والفهم الثقافي والمساءلة.

وعليه يتحول السؤال المتعلق بالكوادر العاملة من «كم وظيفة إعلامية سيستبدل بها الذكاء الاصطناعي؟» إلى «كيف سيغيّر الذكاء الاصطناعي طبيعة عمل المختصين في الإعلام؟ وما الأدوار الجديدة التي ستظهر؟ وكيف ينبغي للقطاع أن يطور الكفاءات لتشغلها؟».

8.2

الذكاء الاصطناعي يحدث تحولًا متزايدًا في صناعة المحتوى يظهر تأثيره أولًا على الدرجات الوظيفية الأقل

يؤثر الذكاء الاصطناعي في دورة حياة صناعة المحتوى الإعلامي كلها، لكن بدرجات متفاوتة. ويتركز أثره المباشر في بداية الدورة ونهايتها، إذ تتسم الأنشطة فيهما عادةً بطابع رقمي متكرر واضح الهيكلية. فيدعم الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد مهام التطوير والإنشاء التحريري في البحث وتفريغ النصوص وبلورة الأفكار وإعداد المسودات الأولى والترجمة والقصص المصورة الإرشادية. وتشهد مرحلة ما بعد الإنتاج تحولًا يبرز في المهام المدعومة بالذكاء الاصطناعي، كالتحرير وتقطيع المقاطع والترجمة المرئية والدبلجة وتوطين المحتوى وإعداد النسخ المختلفة. أما عملية الإنتاج نفسها فتبقى أشد اعتمادًا على التفاعل البشري والتنفيذ الفعلي والتقدير الإبداعي الفوري.

الشكل 23: التأثيرات على الكوادر العاملة عبر سلسلة القيمة الإعلامية
مرحلة صناعة المحتوىكيفية تغيير الذكاء الاصطناعي للعملالأثر بالنسبة للكوادر العاملة

التطوير والإنشاء التحريري

يمكن للذكاء الاصطناعي دعم البحث وتفريغ النصوص والتلخيص وبلورة الأفكار وتطوير القصص وإعداد المسودات الأولى والنصوص والترجمة والقصص المصورة الإرشادية بصورة متزايدة

ينتقل المختصون من إعداد كل مخرج أولي إلى تحديد زاوية المعالجة، وتمحيص الأفكار، وممارسة التقدير التحريري والإبداعي

مرحلة ما قبل الإنتاج

يمكن أتمتة أو تسريع مهام الجدولة ودعم إعداد الميزانيات والبحث عن مواقع التصوير وقوائم اللقطات ودعم اختيار الممثلين والمعاينة البصرية المسبقة

يقضي المنتجون وقتًا أقل في إعداد المعلومات، ويخصصون وقتًا أكبر للتنسيق وتقييم البدائل والموازنة بين الخيارات

مرحلة الإنتاج

يستمر الاعتماد المكثف في مهام الإنتاج المادي والقرارات الإبداعية الفورية على البشر نسبيًا، رغم توسع الإنتاج الافتراضي والمذيعين الاصطناعيين والتقاط المواد بدعم من الذكاء الاصطناعي

تستمر أهمية التفاعل البشري والإخراج والتغطية الميدانية والتقدير السياقي، بينما تعزز التكنولوجيا حجم التنفيذ بصورة متزايدة

مرحلة ما بعد الإنتاج

تتزايد الاستفادة من دعم الذكاء الاصطناعي في تسجيل المواد ودعم التحرير وتقطيع المقاطع وإدراج الترجمة المرئية والدبلجة وتنقية الصوت وتوطين المحتوى وإعداد المؤثرات البصرية وإنتاج النسخ المختلفة.

تنتقل فرق التحرير والفرق التقنية من تنفيذ كل عملية تحويل إلى توجيه المخرجات المدعومة آليًا ومراجعتها وتحسينها

ويؤدي هذا التأثير المتركز عند طرفي دورة الإنتاج إلى نتيجة مهمة للقوى العاملة؛ فكثير من الأنشطة الأكثر تعرضًا لتأثير الذكاء الاصطناعي يقع تحديدًا حيث يبدأ المختصون المبتدئون مسيرتهم المهنية عادةً: فالصحفيون المبتدئون يجرون الأبحاث ويعدون المسودات الأولى، ومساعدو التحرير يسجلون اللقطات ويجمعون المقاطع الأولية، ومساعدو الإنتاج يديرون الجداول الزمنية والوثائق، ومطورو المحتوى الإبداعي المبتدئون ينتجون المفاهيم الأولى ليراجعها المختصون.

ولا يقتصر التحدي على تحديد ما إذا كانت هذه المهام ستصير أكثر كفاءة؛ فهي مهام مثّلت تاريخيًا الآلية التي يتعلم بها المبتدئون دقائق مهنتهم. ومع أن الاستغناء عن التنفيذ المتكرر لمهام بعينها يرفع الإنتاجية، فإنه يستغني أيضًا عن الخبرة التي يوفرها هذا التكرار، فقد ينشئ فجوة في التجربة المهنية؛ ذلك أن كبار المختصين يقدرون على استخدام الذكاء الاصطناعي بفاعلية لأنهم يملكون أصلًا القدرة على تقييم المخرجات الضعيفة والمصادر غير الموثوقة والخيارات الإبداعية غير الموفقة، فيما ما يزال المبتدئون في طور بناء هذا التقدير المهني.

ولا يعني ذلك أن تحافظ المؤسسات الإعلامية على المهام المتكررة، بل أن تعيد تصميم نموذج التدرج والتدريب الوظيفي. فيستطيع الصحفيون المبتدئون الانتقال من تفريغ النصوص إلى التحقق من المصادر والبحث عن زوايا أصلية للعمل، ومساعدو التحرير الانتقال من تسجيل اللقطات يدويًا إلى التجريب السردي والإفادة من نقد كبار المختصين، ومساعدو الإنتاج الانتقال من التوثيق إلى المشاركة المبكرة في إعداد الميزانيات والتنسيق وصنع القرار.

وبذلك يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يحقق أكثر من رفع كفاءة صناعة المحتوى؛ إذ يتيح استخدامه المدروس نقل الكفاءات المبتدئة مبكرًا إلى أعمال أعلى قيمة، وتسريع تطويرها لمهارات التقدير المهني. وقد تتغير مهام التدرج والتدرب الوظيفي، لكن التركيز يجب أن ينصبّ على تعزيز تجربة التدريب نفسها.

8.3

تطور الوظائف الحالية وظهور أدوار جديدة

يتجاوز تأثير الذكاء الاصطناعي في الكوادر العاملة تغيير عمل المختصين المبتدئين؛ ويُرجَّح أن تسهم ثلاثة تحولات أوسع نطاقًا في إعادة تشكيل ملامح الكوادر الإعلامية.

1. تحول الأدوار القائمة حاليًا إلى أدور مدعومة بالذكاء الاصطناعي

قد يحدث جانب كبير من التحول المرتقب دون تغيير المسميات الوظيفية؛ إذ سيواصل الصحفيون والمحررون وصنّاع الأفلام والمنتجون والمصممون والفرق التجارية دمج الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد في سير العمل اليومي.

وسيواصل الصحفيون الاعتماد على مهارات التحقيق والتحرير، مع توظيف الذكاء الاصطناعي في البحث وتمحيص البيانات وتحليلها. وسيستمر المحررون في تطبيق تقديرهم على السردية، مع الإشراف على أتمتة التحرير وتوطين المحتوى وتوليد الأصول. أما المنتجون فسيواصلون تنسيق أعمال الفرق الإبداعية وفرق الإنتاج، مع تزايد دورهم في تنسيق أدوات الذكاء الاصطناعي ووكلائه.

وعليه ستصير إجادة استخدام الذكاء الاصطناعي شبيهة بالثقافة الرقمية اليوم: قدرةً أساسية تتكامل مع مختلف المهن القائمة، لا تخصصًا تقنيًا قائمًا بذاته.

2. توسع الأدوار الهجينة التي تجمع بين الإعلام والتكنولوجيا

ينشئ الذكاء الاصطناعي كذلك أدوارًا عند التقاء الإعلام والتكنولوجيا، ومنها:

  • منتجو خطوات سير العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، ويتولون إدارة سير العمل الموزع بين البشر ونماذج ووكلاء الذكاء الاصطناعي.
  • مدراء المنتجات التحريرية المدعومة بالذكاء الاصطناعي، ومهمتهم تحويل احتياجات الفرق الإبداعية وغرف الأخبار إلى منتجات مدعومة بالذكاء الاصطناعي.
  • منتجو الوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي، ويتولون إدارة مقدمي البرامج الافتراضيين، ومقاطع الفيديو والأصوات والشخصيات المولدة بالذكاء الاصطناعي.
  • أخصائيو إثبات مصادر المحتوى والتحقق منها، ومهمتهم التحقق من صحة وأصالة المحتوى البشري والاصطناعي.
  • أخصائيو الحقوق والصورة الرقمية، ومهمتهم إدارة حقوق الطبع والنشر وحقوق بيانات التدريب ونماذج الموافقة والأصوات والهويات الرقمية.
  • أخصائيو الذكاء الاصطناعي العربي والثقافة العربية، ويتولون مسؤولية ضمان توافق المحتوى مع اللغة العربية ولهجاتها وسياقها الثقافي.

وستتحول كثير من هذه الأدوار إلى اختصاصات داخل الفرق الصحفية والإبداعية والإنتاجية والتقنية القائمة، لا إلى مهن جديدة بالكامل.

3. استمرار ظهور المهن لذوي المهارة في الذكاء الاصطناعي

ويُرجَّح ظهور أدوار إضافية مع تطور الذكاء الاصطناعي الوكيل؛ فقد تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى مختصين يتولون الإشراف على وكلاء الذكاء الاصطناعي المستقلين، أو توجيه الشخصيات الاصطناعية ذات الحضور المستمر، أو تدقيق المحتوى المنشأ بالذكاء الاصطناعي، أو تحسين اقتصاديات الإنتاج، أو تصميم تجارب إعلامية متقدمة في استخدام الذكاء الاصطناعي.

وسيؤدي ذلك إلى تطور المسميات الوظيفية، أما التحول على المدى الأبعد فيتمثل في التوجه إلى مختصين يقدرون على تعزيز دورهم في إنشاء القدرات البشرية والآلية معًا وتوجيهها وتمحيصها وتنسيقها.

8.4

ضرورة تركيز التعليم على إعداد الأفراد للوظائف التي يخلقها الذكاء الاصطناعي بدلًا من المهام التي يؤدي إلى الاستغناء عنها

يستلزم التغير في مجال الوظائف تغييرًا مكافئًا في التعليم. ولا يقتصر إعداد الكفاءات الإعلامية لعصر الذكاء الاصطناعي على تعليم الأفراد استخدام أدوات اليوم، لأن التقنيات ستواصل تطورها؛ ومعنى ذلك أن الأولوية الأكثر استدامة هي تأهيل أفراد يقدرون على العمل بفاعلية مع الذكاء الاصطناعي، محتفظين بمهارات حسن التقدير والإبداع والمنظور البشري التي تمثل مقومات العمل الإعلامي المتميز.

وينبغي أن يبدأ تطوير ثقافة إجادة استخدام الذكاء الاصطناعي مبكرًا؛ فعلى المدارس أن تطرح موضوعات الاستخدام المسؤول للذكاء الاصطناعي جنبًا إلى جنب مع مهارات التفكير النقدي وتقييم المصادر والأصالة والثقافة الإعلامية. وتوفر خطوة الإمارات العربية المتحدة بإدخال تعليم الذكاء الاصطناعي في المدارس أساسًا مهمًا يتيح للجامعات والمؤسسات المتخصصة زيادة التركيز على كيفية توظيفه في الصحافة والأفلام والبث والألعاب وسائر التخصصات الإبداعية.

وفي الوقت نفسه، لا بد أن يواصل التعليم الإعلامي تركيزه على تدريس أصول المهنة نفسها؛ إذ ينبغي للطلاب أن يتعلموا كيف يعزز الذكاء الاصطناعي جودة البحث والإنتاج والتحرير، مع مواصلة تطوير قدراتهم المستقلة في السرد القصصي والتقدير التحريري واتخاذ القرارات الإبداعية. ولا يقتصر الهدف على معرفة كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يمتد إلى الوعي بتوقيت استخدامه، والمواطن التي تستدعي التشكيك في مخرجاته، والمواطن التي يكون للتقدير البشري فيها دور أهم.

وستكتسب إعادة التأهيل المهني أهمية مماثلة لدى الكوادر العاملة الحالية؛ فوتيرة التغير المتسارعة لا تتيح مجالًا للاعتماد في الأساس على مؤهلات يستغرق الحصول عليها سنوات. وفي المقابل، تستطيع الدورات القصيرة القائمة على نظام الوحدات، المحدَّثة باستمرار، أن تعين الصحفيين والمبدعين ومتخصصي الإنتاج والقيادات الإعلامية على تطوير إمكانات عملية في مجالات كسير العمل المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والتحقق، والإنتاج، وتوطين المحتوى، وأنظمة الذكاء الاصطناعي الوكيل، وحوكمة الذكاء الاصطناعي.

الإمارات العربية المتحدة

الإمارات العربية المتحدة – بدء تعليم الذكاء الاصطناعي من مرحلة رياض الأطفال

أدخلت دولة الإمارات الذكاء الاصطناعي مادةً رسمية في المدارس الحكومية، من مرحلة رياض الأطفال إلى الصف الثاني عشر، اعتبارًا من العام الدراسي 2025-2026. واعتمد مجلس الوزراء تطبيق منهج الذكاء الاصطناعي في المدارس الحكومية والخاصة كلها بالدولة.

ويشمل المنهج سبعة مجالات: المفاهيم الأساسية للذكاء الاصطناعي، والبيانات والخوارزميات، واستخدام البرمجيات، والوعي الأخلاقي، والتطبيقات العملية، والابتكار وتصميم المشاريع، والسياسات والمشاركة المجتمعية. ويتدرج التعلم بحسب المرحلة العمرية، من التعرف التفاعلي على الذكاء الاصطناعي في رياض الأطفال، إلى تصميم أنظمة الذكاء الاصطناعي وتقييمها، وفهم التحيزات والخوارزميات، وإعداد طلاب الصفوف العليا للتعليم العالي والمسارات الوظيفية عبر سيناريوهات واقعية.

وستُدمج هذه المادة في الجداول الدراسية القائمة، ويتولى تقديمها معلمون مكلفون بذلك، عبر مزيج من الأنشطة الصفية والنماذج وخطط الدروس، لا بوصفها برنامجًا لامنهجيًا منفصلًا.

أهمية هذه الخطوة:

بدلًا من إدخال ثقافة الذكاء الاصطناعي في الجامعة وحدها أو بعد دخول سوق العمل، تسعى دولة الإمارات إلى بنائها منذ مراحل التعليم المبكر. ويوفر ذلك أساسًا أمتن تبني عليه الجامعات وأصحاب العمل، وقد يمنح قطاعات كالإعلام إمكان الإفادة من كفاءات مستقبلية تملك فهمًا مسبقًا لمفاهيم الذكاء الاصطناعي وتطبيقاته ومخاطره واستخدامه المسؤول.

قطر

معهد الجزيرة للإعلام – الذكاء الاصطناعي كعنصر مدمج في التدريب الصحفي والتأهيل لمهام غرف الأخبار

أدرج معهد الجزيرة للإعلام الذكاء الاصطناعي فئةً مستقلة في برنامجه التدريبي لعام 2025، وخصص له ثماني ورش عمل وأربع دورات جديدة.

ويشمل المنهج مقدمة في الذكاء الاصطناعي، وأدوات الذكاء الاصطناعي لصناعة المحتوى، وأخلاقياته، وتوظيفه في صحافة البيانات، وتوظيفه في غرف الأخبار. وتُقدَّم البرامج بالعربية والإنجليزية، وتتيح الدورات مزيجًا من الفهم النظري والتطبيق العملي في الإنتاج التحريري والتحرير وإدارة غرف الأخبار.

ويقدم المعهد كذلك دورات تتناول هندسة أوامر توجيه الذكاء الاصطناعي، والنصوص ومقاطع الفيديو والمحتوى الصوتي المولَّد بالذكاء الاصطناعي، والترجمة، واعتبارات الملكية الفكرية، والاستخدام المسؤول.

أهمية هذه الخطوة:

بدلًا من التعامل مع الذكاء الاصطناعي موضوعًا لورشة عمل منفردة، بدأ المعهد يؤسس لهذه التقنية في مساقات التعليم الإعلامي المهني، ويدمجها في عدد من التخصصات الصحفية.

وتكمن الفرصة المتاحة لقطاع الإعلام العربي في بناء نموذج للتعلم المستمر، يقوم على البدء بتعليم الذكاء الاصطناعي مبكرًا، ودمجه في التخصصات الإعلامية، وتوفير مسارات مهنية عملية على امتداد المسيرة الوظيفية، وضمان بقاء المهارات التي تمنح الإعلام طابعه البشري المميز في صميم العملية الإعلامية.

8.5

الذكاء الاصطناعي لا يعني تلقائيًا تحقيق وفورات في تكاليف الكوادر العاملة

لا تعني أتمتة المهام بالذكاء الاصطناعي وفرًا مكافئًا في تكاليف الكوادر العاملة تلقائيًا؛ فتكاليف العمالة البشرية يمكن توقعها نسبيًا، بينما يطرح الذكاء الاصطناعي نموذج تكلفة أشد تباينًا، تحدده عوامل منها اختيار النموذج، واستهلاك الرموز الرقمية، والاستدلال، واسترجاع البيانات، والتخزين، وتفاعلات وكلاء الذكاء الاصطناعي.

وتزداد أهمية هذا الفرق مع انتقال المؤسسات الإعلامية إلى سير العمل القائم على الذكاء الاصطناعي الوكيل، إذ يؤدي تعدد الإجراءات وتكرارها إلى زيادة الاستهلاك. وتتوقع مؤسسة غارتنر أن ترتفع تكاليف الاستدلال لكل سير عمل قائم على الذكاء الاصطناعي الوكيل بأكثر من خمسة أضعاف حتى عام 2028، على الرغم من انخفاض تكلفة التقنية الأساسية؛ أي إن تكلفة الذكاء الاصطناعي قد تنخفض لكل وحدة مستقلة، وترتفع لكل سير عمل مكتمل.

ولا يعني ذلك أن تكلفة الكوادر البشرية أقل من تكلفة الذكاء الاصطناعي، بل إن الجدوى التقنية لا ينبغي أن تحدد القرارات المتعلقة بالكوادر العاملة. ويتعين على القيادات الإعلامية تقييم اقتصاديات كل سير عمل كاملةً، بما فيها استهلاك الذكاء الاصطناعي والإشراف البشري وضمان الجودة وقيمة الاحتفاظ بالخبرات الداخلية للمؤسسة.

ومعنى ذلك أن السؤال لا يدور حول الاختيار بين البشر والذكاء الاصطناعي، بل حول تحديد المزيج الأمثل من الإمكانات البشرية وقدرات الذكاء الاصطناعي بما يحقق أكبر قيمة إبداعية وتشغيلية واقتصادية.

الأولوية القيادية: إعادة استثمار عوائد الذكاء الاصطناعي في الكفاءات

ينشئ الذكاء الاصطناعي قدرات إضافية؛ فيتمكن الصحفيون من إنجاز المهام البحثية بسرعة أكبر، والمحررون من إنتاج نسخ أكثر، والمنتجون من رفع كفاءة التنسيق، والفرق الإبداعية من ابتكار مزيد من الأفكار.

وتستطيع المؤسسات الإعلامية أن تستخدم هذه القدرة في تقليل الجهد أساسًا، أو أن تعيد استثمارها في تطوير محتوى أفضل وصيغ جديدة واستقطاب فئات جمهور جديدة، وفي كوادر المؤسسة نفسها. والخيار الأخير أعلى قيمة على المدى الطويل.

ولذلك ينبغي أن يتحول تركيز أجندة القيادات من رفع كفاءة الكوادر العاملة إلى تجديدها، بإعادة تصميم الأدوار، وإعادة تأهيل الكفاءات باستمرار، وإنشاء مسارات تفضي إلى شغل الوظائف الناشئة، وحماية المداخل والمسارات التي تتيح تطوير قادة مستقبليين في الإبداع والتحرير.

فإذا أدى الذكاء الاصطناعي إلى الاستغناء عن الدرجة الأولى من السلم الوظيفي دون تعويض فرص التعلم التي توفرها، تحولت مكاسب الإنتاجية المتحققة اليوم إلى فجوة في الكفاءات لاحقًا.

وتكمن الفرصة في استخدام الذكاء الاصطناعي للاستغناء عن الحاجة إلى تنفيذ المهام المتكررة دون الاستغناء عن فرص التعلم، واستثمار القدرة التي يتيحها في توجيه الأفراد مبكرًا إلى مهام تتطلب حسن التقدير والإبداع وتحمل المسؤولية.

وينبغي ألا يقتصر الطموح في قطاع الإعلام العربي على تحسين إمكانات الكوادر العاملة الحالية في الذكاء الاصطناعي، بل أن يشمل بناء جيل مقبل من الكفاءات الإعلامية القادرة على تفعيل ما تتيحه هذه التقنية من إمكانات.

09.

الخلاصة: من تبني الذكاء الاصطناعي إلى تحقيق ميزة مستدامة

يطرح هذا التقرير رسالة واحدة بوضوح شديد: ينتقل الذكاء الاصطناعي انتقالًا ملموسًا من مجموعة أدوات تُوظَّف في أجزاء متفرقة من سلسلة القيمة الإعلامية، إلى قوة تعيد تشكيل المؤسسة الإعلامية نفسها. ويمتد تأثيره ليغيّر كيفية تقييم المحتوى وإنتاجه، وطرق اكتشاف الجمهور له والتفاعل معه، وآليات تحقيق الإيرادات منه، فضلًا عن تأثيره المتنامي في كيفية اتخاذ القرارات وتنسيق سير العمل عبر مختلف المستويات المؤسسية.

وتشير الأدلة كذلك إلى تحول مهم في أجندة الذكاء الاصطناعي؛ فقد تركّزت المرحلة الأولى في معظمها على التجريب، باختبار الأدوات وتحديد حالات الاستخدام وإثبات ما تستطيع هذه التقنية تحقيقه، أما المرحلة المقبلة فستكون أصعب: إذ ستركز على تحديد مواطن تحقيق قيمة اقتصادية واستراتيجية فعلية بالذكاء الاصطناعي، بما يتيح دمج التقنية على نطاق واسع في المؤسسة، وتكييف الكوادر العاملة ونموذج التشغيل معها، وحماية الأصول الإعلامية، وترسيخ الثقة التي تمثل الركيزة الأساسية لشركات الإعلام.

ويطرح هذا التحول على المؤسسات الإعلامية العربية فرصةً وخيارًا استراتيجيًا معًا؛ فالوصول إلى تقنيات الذكاء الاصطناعي سيغدو تدريجيًا متاحًا للجميع. ولذلك يُرجَّح أن تتحقق الميزة المستدامة للمؤسسات التي تنجح في الجمع بكفاءة بين هذه التقنية والأصول التي تميز المنطقة، ومنها المحتوى بالعربية، والملكية الفكرية، والمعرفة العميقة بجمهور المنطقة، والكوادر الإبداعية، وإدراك السياق الثقافي، والعلامات الإعلامية الموثوقة.

ويخلص التقرير إلى سبعة استنتاجات موجهة إلى قيادات قطاع الإعلام.

1. لا بد من انتقال الاستثمار في الذكاء الاصطناعي من مرحلة التجريب إلى تحقيق القيمة القابلة للقياس

يستعرض التقرير مجموعة متنامية من تطبيقات الذكاء الاصطناعي التي يمكن توظيفها عبر مراحل صناعة المحتوى وتوزيعه وتعزيز تفاعل الجمهور وتحقيق الإيرادات والعمليات المؤسسية. غير أن تعدد حالات الاستخدام لا يعني تلقائيًا قيمة أعلى.

ومع تقدم المؤسسات متجاوزةً النماذج التجريبية، تزداد أهمية اقتصاديات الذكاء الاصطناعي. فتكاليف النماذج والتقنية نفسها جزء واحد من المعادلة؛ إذ تتأثر دراسة الحالة التجارية تأثرًا ملموسًا بعوامل كدمج الذكاء الاصطناعي، وإعداد البيانات، وإعادة تصميم تطبيقات سير العمل، والحوكمة، والتدريب، وإدارة التغيير، والاستخدامات الحوسبية المتواصلة. ومعنى ذلك أن مزايا الإنتاجية المتحققة بتوظيف الذكاء الاصطناعي يجب أن تُقيَّم في مقابل التكلفة الإجمالية للتبنّي والتشغيل، لا في مقابل تكلفة التقنية وحدها.

وتزيد هذه الاعتبارات أهمية الانضباط في إدارة محفظة استثمارات الذكاء الاصطناعي؛ فلا ينبغي التوسع في كل حالة استخدام، كما أن الفرص الأعلى قيمة تتفاوت من مؤسسة إلى أخرى بحسب نموذجها التجاري، ومكانتها لدى الجمهور، وحجم أصولها.

الخطوات المطلوبة من القيادة: إدارة الذكاء الاصطناعي محفظةً استثمارية؛ وتوجيه رأس المال واهتمام القيادة إلى عدد محدود من مواطن القيمة التي يمكن أن يُحدث فيها الذكاء الاصطناعي تحسينًا ملموسًا في النمو أو تحقيق الإيرادات أو الإنتاجية أو التمايز أو سرعة طرح المنتجات في الأسواق؛ وإرساء فرضيات قيمة قابلة للقياس؛ ووضع محطات تقييم مرحلية واضحة للتوسع في المبادرات أو إعادة تصميمها أو إيقاف العمل عليها.

2. ستتحقق قيمة الذكاء الاصطناعي بصورة متزايدة من جهود إعادة تشكيل المؤسسة الإعلامية وليس من إضافة أدوات جديدة إلى العمليات القائمة

تركّزت غالبية جهود تبنّي الذكاء الاصطناعي حتى الآن على تطوير مهام مفردة بعينها، كتسريع تحرير النصوص، أو توليد صياغات متعددة للمحتوى، أو دعم توطين المحتوى، أو رفع كفاءة الحملات، أو أتمتة التحليلات. وتحقق هذه التطبيقات مكاسب ملموسة في كفاءة الأداء، لكنها جزء يسير من الفرصة المتاحة.

ويمهد ظهور الذكاء الاصطناعي الوكيل الطريق إلى تحول أعمق؛ إذ صار في وسع أنظمة الذكاء الاصطناعي، على نحو متزايد، أن تنسّق بين سلسلة من الوظائف، فتربط مؤشرات الجمهور بالقرارات التحريرية، ومهام إنتاج المحتوى بتوطينه، وبيانات الأداء بقرارات التوزيع، وسلوكيات الجمهور بالإجراءات التجارية المنبثقة منها.

وأثر هذا التحول أن المؤسسات لن تحقق كامل القيمة المرجوة من الذكاء الاصطناعي إذا اقتصرت جهودها على إقحام تقنية جديدة تدير عمليات وهياكل وظيفية صُممت أصلًا لمؤسسة قائمة على الجهد البشري؛ فلا بد أن تتطور تطبيقات سير العمل والأدوار ومسؤوليات الحوكمة وحقوق اتخاذ القرار مع مرور الوقت، موازيةً تطور التقنية نفسها.

الخطوات المطلوبة من القيادة: الانتقال من النماذج التجريبية المعزولة للذكاء الاصطناعي إلى بناء إمكانات مؤسسية شاملة؛ وتحديد عدد محدود من تطبيقات سير العمل المتكاملة عالية القيمة التي يمكن إعادة تصميمها على أساس التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي؛ وإرساء الأسس المشتركة للتقنية والبيانات؛ والترسيم الواضح للمواطن التي يتصرف فيها الذكاء الاصطناعي باستقلالية، في مقابل المواطن التي تستدعي التقدير البشري في القرارات التحريرية والإبداعية والتجارية والمتعلقة بسمعة المؤسسة.

3. لن تزول الميزة البشرية وإنما ستشهد تغيرًا ملموسًا، وهو ما يستدعي البدء في تحول الكوادر الإعلامية الآن

سيؤتمت الذكاء الاصطناعي أجزاء من سلسلة القيمة الإعلامية أو يقلصها، خاصةً الأنشطة المتكررة التي تتبع سلسلة من التعليمات والقواعد وتتطلب جهدًا تنفيذيًا كبيرًا. والأنشطة الأكثر عرضة لهذا التغير هي مهام المستوى الابتدائي، كالأنشطة البحثية ومهام الكتابة البسيطة، والتحرير والترجمة ودعم الإنتاج والتنسيق الإداري.

غير أن التقرير يشير إلى أن الذكاء الاصطناعي سيعزز الطلب على إمكانات وأدوار جديدة تتصل بالمهام المعززة بالذكاء الاصطناعي، كالإنتاج وتنسيق الوظائف والتحقق من المصادر وإدارة الحقوق والتحليل الذكي لسلوك الجمهور، وتصميم تطبيقات سير العمل القائمة على التكامل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي. وستزداد في الوقت نفسه أهمية الإمكانات التي يصعب على الذكاء الاصطناعي محاكاتها، كالتقدير الإبداعي والسرد القصصي وفهم السياق الثقافي والمهارات الشخصية والقيادة واتخاذ القرارات القائم على الثقة.

ويطرح ذلك تحديًا فرعيًا مستقبليًا؛ فإذا تولى الذكاء الاصطناعي المهام التي يكتسب بها العاملون في مجالٍ ما مهارات حرفتهم وخبراتها منذ القدم، واجهت المؤسسات احتمال إضعاف سلسلة إعداد قادة المستقبل من المحررين والمنتجين والصحفيين والمبدعين وتأهيلهم. ولذلك لا ينبغي أن تقتصر استراتيجيات الكوادر العاملة على معالجة مكاسب الإنتاجية الحالية، بل لا بد أن تتناول كيفية تطوير الخبرات المستقبلية.

الخطوات المطلوبة من القيادة: إعادة تصميم الأدوار ومسارات التعلم واستراتيجيات تخطيط الكوادر العاملة، موازيةً لتبنّي الذكاء الاصطناعي؛ والاستثمار في تعزيز إجادة الكوادر لاستخدام الذكاء الاصطناعي؛ وتطوير الإمكانات المتخصصة حيث تُطلب؛ وحماية مسارات التعلم في المراحل الوظيفية المبكرة؛ وتعزيز الإمكانات الإبداعية والشخصية والقائمة على التقدير، التي ستزداد أهميتها في إبراز المساهمة البشرية.

4. تصاعد أهمية المحتوى والبيانات والملكية الفكرية باللغة العربية كبنية تحتية استراتيجية

مع تزايد قدرات نماذج الذكاء الاصطناعي العامة واتساع نطاق الوصول إليها، ستغدو التقنية التي تقوم عليها هذه النماذج مصدرًا ضعيفًا للتمايز. وهنا تبرز الأهمية الأكبر للأصول المستخدمة في ربط هذه الأنظمة بالبيانات المرجعية وتخصيصها وتوجيهها.

وتملك المؤسسات الإعلامية العربية مزايا استثنائية يصعب على المنصات التقنية العالمية محاكاتها، منها مكتبات الأرشيف بالعربية، والملكية الفكرية الإقليمية، والدراية العميقة بلهجات المنطقة وثقافاتها، ومجموعات الوسائط الإعلامية التاريخية، والبيانات الوصفية المهيكلة، والمعرفة المباشرة التي ترسخت عبر عقود من التفاعل مع جمهور المنطقة.

غير أن قدرًا كبيرًا من القيمة المحتملة ما يزال متفرقًا أو مفتقرًا إلى الهيكلة اللازمة أو مقيدًا بحقوق غير واضحة. وما لم تُتَّخذ خطوات حاسمة، فقد تضيع فرصة الإفادة من هذه الأصول، أو تصير مدخلات في منظومة للذكاء الاصطناعي يفيد آخرون من قيمتها الاقتصادية.

ومعنى ذلك أن الفرصة الاقتصادية المتاحة لا تقتصر على حماية المحتوى العربي من الذكاء الاصطناعي، بل تمتد إلى تعزيز قيمته بالذكاء الاصطناعي.

الخطوات المطلوبة من القيادة: التعامل مع المحتوى والبيانات والملكية الفكرية بوصفها بنية تحتية استراتيجية؛ وتسريع جهود الرقمنة وتطوير البيانات الوصفية؛ وتوضيح تفاصيل الحقوق وهياكل الترخيص؛ وترسيخ حوكمة البيانات؛ وتحديد المواطن التي تستطيع فيها الأصول المملوكة أن تدعم تمايز نماذج العمل والمنتجات والتجارب وعروض الترخيص ومصادر الإيرادات الجديدة.

5. قد يصبح التحليل الذكي لسلوك الجمهور أحد أهم المزايا التنافسية في بيئة سمتها الأساسية وفرة المحتوى

يسهم الذكاء الاصطناعي إسهامًا ملموسًا في خفض تكلفة صناعة المحتوى وتسريعها. وتتيح الوسائط المولَّدة بالذكاء الاصطناعي والمدعومة به مستويات أعلى بكثير من تخصيص المحتوى وتوطينه وتكييفه. ويُرجَّح أن ينشئ ذلك بيئة يتزايد فيها حجم المحتوى المتاح باستمرار.

وفي هذه البيئة لن يكون إنتاج مزيد من المحتوى عاملًا لتحقيق ميزة مستدامة؛ إذ تزداد أهمية القدرة على فهم الجمهور: ما المحتوى الذي يجد فيه قيمة حقيقية؟ وكيف يتغير سلوكه؟ وأي الصيغ تلقى صدى لديه؟ ومتى يحدث التفاعل وأين؟

وتمثل المعرفة المباشرة بجمهور المنطقة ولغاته ولهجاته وفروقه الثقافية وأنماط استهلاكه، لدى المؤسسات الإعلامية العربية، أحد الأصول التي قد يصعب على المنصات العالمية محاكاتها بالكامل.

وتتمثل الخطوة التالية في الانتقال من تحليل بيانات الجمهور بوصفه إمكانًا لإعداد التقارير، إلى التحليل الذكي لسلوك الجمهور بوصفه قدرة تشغيلية توجّه باستمرار القرارات التحريرية وقرارات التوزيع والمنتجات والقرارات التجارية.

الخطوات المطلوبة من القيادة: بناء منظومة متكاملة لتحليل بيانات الجمهور المباشرة على مستوى المؤسسة؛ وربط مؤشرات الجمهور بالقرارات التحريرية والتخصيص والتوزيع وتحقيق الإيرادات، بدعم من قواعد بيانات أقوى وآليات متنامية لاتخاذ القرارات اللحظية.

6. يجب توجيه قدرات الذكاء الاصطناعي نحو توسيع الإمكانات الاقتصادية والإبداعية للكفاءات والملكية الفكرية، وليس نحو اختزال الإبداع في فرصة لخفض التكاليف

من أهم تأثيرات الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام قدرته على إطالة عمر الأصول الإبداعية وتوسيع نطاق وصولها وزيادة قابليتها للتكيف. فتوطين المحتوى بالذكاء الاصطناعي، والأصوات الاصطناعية، والنسخ الرقمية المطابقة، والصيغ المتكيفة للمحتوى، والتجارب التفاعلية، تطبيقات تتيح للشخصيات العامة والشخصيات الخيالية وعلامات الامتياز ومكتبات المحتوى الوصول إلى فئات جمهور جديدة ولغات وأسواق جديدة.

وتطرح هذه الإمكانات فرصة تتجاوز تعزيز كفاءة الإنتاج بكثير؛ إذ يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يطيل العمر الاقتصادي للملكية الفكرية، ويفتح آفاقًا جديدة لتفاعل الجمهور، ويتيح نماذج تجارية جديدة قائمة على الأصول الإبداعية القائمة.

غير أن هذه الفرص تثير أسئلة جوهرية في الملكية والموافقة والتعويض وحقوق الطبع والنشر والتحكم الإبداعي. ودون أطر واضحة، قد تُضعف التقنيةُ التي تحقق القيمة المبدعين والمؤسسات الذين تقوم عليهم هذه القيمة أصلًا.

الخطوات المطلوبة من القيادة: تحويل النقاش من استخدام الذكاء الاصطناعي في خفض تكلفة المحتوى أساسًا، إلى استخدامه في التوسع في قيمة الإبداع والملكية الفكرية؛ ووضع أطر صريحة للنسخ الرقمية المطابقة والأصوات الاصطناعية وحقوق الطبع والنشر والموافقة والتعويض وإعادة الاستخدام، قبل التوسع في هذه التطبيقات.

7. ستصبح الثقة والحقوق والسيادة جزءًا من الاستراتيجية التنافسية، وليس مجرد امتثال تنظيمي

مع تطور المحتوى الاصطناعي ليصير أكثر واقعية، وانخفاض تكلفته واتساع نطاق الوصول إليه، سيجد الجمهور صعوبة أكبر في تحديد المحتوى الأصيل، ومعرفة الجهة التي أنشأته، وما إذا كان قد خضع للتعديل. ويثير الذكاء الاصطناعي في الوقت نفسه أسئلة أشمل في حقوق الطبع والنشر والمعلومات المضللة والحقوق الشخصية وحوكمة البيانات والسيادة التقنية.

ولا تستدعي هذه القضايا كلها صياغة إطار تنظيمي إعلامي جديد بالكامل؛ فالأطر القائمة التي تتناول المعلومات المضللة والملكية الفكرية والخصوصية وحماية المستهلك تعالج بالفعل جوانب من هذا التحدي. وستتركز المهمة المقبلة على نحو متزايد في تحديد كيفية تفاعل هذه الأطر مع القواعد التنظيمية الناشئة للذكاء الاصطناعي، والمواطن التي تستلزم متطلبات خاصة بقطاع الإعلام.

ولن يكفي المؤسسات الإعلامية انتظار صياغة الإطار التنظيمي؛ إذ يمكن توظيف إثبات المصادر والتحقق من الأصالة والإفصاح والحوكمة المسؤولة للذكاء الاصطناعي مصادرَ للتمايز التنافسي. فالبيئة الإعلامية تشهد إنتاجًا للمحتوى بنطاق غير مسبوق، وسهولة الإنتاج هذه هي السبب المباشر لارتفاع قيمة الثقة ومكانتها في المؤسسات الإعلامية.

الخطوات المطلوبة من القيادة: ترسيخ عامل الثقة وإبرازه؛ ودمج إثبات المصدر والتحقق من الحقائق والأصالة والإفصاح في تطبيقات سير عمل المحتوى؛ وتحديد أطر مساءلة واضحة للمحتوى المولَّد أو المعدَّل بالذكاء الاصطناعي؛ وحماية سيادة البيانات والملكية الفكرية؛ والتواصل الاستباقي مع صنّاع السياسات والمنصات التقنية وهيئات القطاع مع التطور المستمر للمعايير.

المطلب القيادي

تقود هذه الاستنتاجات مجتمعةً إلى تحول أشمل. فقد اتسم الفصل الأول من حقبة الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام بوفرة الاحتمالات والإمكانات، تحت مظلة سؤال واحد: ما الذي تستطيع التقنية تحقيقه؟

أما الفصل المقبل فستحدده الخيارات: أين تُوظَّف التقنية؟ وأين تحقق قيمة مميزة؟ وما التغييرات التي يجب أن تحدث في بيئتها المحيطة؟ وما الجوانب التي ينبغي أن تبقى في صميمها مهامَّ بشرية؟

ولهذه الخيارات أهمية خاصة في الإعلام العربي؛ إذ تخوض المنطقة غمار هذا التحول بمنظومات تقنية سريعة التطور، وأجندات إعلامية طموحة، وجمهور شاب متفاعل رقميًا، وأصول ثقافية ولغوية ما يزال تمثيلها محدودًا إلى حد كبير في البيئة الرقمية العالمية. ويتيح الذكاء الاصطناعي فرصة لتعزيز هذه المزايا، شريطة أن تنتقل المنطقة من استهلاك قدرات الذكاء الاصطناعي العالمية إلى بناء قدرات ونماذج تجارية مميزة قائمة على محتواها وجمهورها وكفاءاتها.

ولذلك لا ينبغي أن يُقاس النجاح بعدد أدوات الذكاء الاصطناعي المستخدمة، ولا بعدد النماذج التجريبية المطلقة، ولا بحجم الاستثمار؛ بل بقدر ما ينجح الذكاء الاصطناعي في تمكين المؤسسات الإعلامية العربية من صناعة محتوى أفضل، والوصول إلى جمهور أوسع، وبناء مشاريع أقوى، وتأهيل الجيل المقبل من الكفاءات، وتعزيز الحضور العالمي للقصص العربية والإبداع العربي.

ويتطلب ذلك العمل على امتداد الأجندة التي يعرضها هذا التقرير كلها: الاستثمار الانتقائي، وإعادة التصميم بجرأة، والتطوير المدروس للكفاءات، وحماية الأصول المملوكة وتفعيلها، وتعميق التحليل الذكي لسلوك الجمهور، وتوسيع قيمة الإبداع، وتحويل الثقة إلى ميزة تنافسية.

وتتجاوز الفرصة المتاحة رفع الكفاءة وتحقيق التقدم التقني؛ فهي تتجلى في استثمار هذه المرحلة لبناء منظومة إعلامية عربية أكثر ابتكارًا، وأشد مرونة اقتصاديًا، وأبرز تأثيرًا عالميًا، مع حماية الارتباط الثقافي والإبداع البشري والثقة المؤسسية، وهي ما لا تحل التقنية محله.

سيعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المشهد الإعلامي العالمي. والسؤال الحاسم ليس أيكون الإعلام العربي جزءًا من هذا التحول، بل ما مقدار إسهامه في صياغة الفصل المقبل منه.

10.

المنهجية

أُعدّ هذا التقرير استنادًا إلى مزيج من البحث الأولي والبحث الثانوي، والبحث والتحليل بمساعدة الذكاء الاصطناعي. وصُممت المنهجية لتجمع بين الأدلة الكمية، ووجهات نظر العاملين والقيادات في قطاع الإعلام، ومراجعة واسعة للمستجدات في مشهدي الإعلام والتكنولوجيا. وتحمّل الباحثون في المراحل كلها المسؤولية الكاملة عن اختيار المصادر وتفسيرها والتحقق منها، وعن التحرير النهائي.

البحث الأولي

أُجري البحث الأولي ليوفر وجهات نظر مباشرة في كيفية تبنّي الذكاء الاصطناعي في قطاع الإعلام العربي، وطبيعة تأثيره في واقع الممارسة العملية.

وشمل استطلاعًا لقطاع الإعلام في مختلف أنحاء العالم العربي، تناول أوجه استخدام الذكاء الاصطناعي اليوم في المؤسسات الإعلامية، والأنشطة وتطبيقات سير العمل التي وُظّف فيها، والمزايا والتحديات المرتبطة باستخدامه، والتوقعات المتعلقة بأثره المستقبلي في القطاع. ووفّر الاستطلاع منظورًا إقليميًا لكيفية تفاعل العاملين في قطاع الإعلام مع الذكاء الاصطناعي، معزِّزًا الأدلة المجموعة بسلسلة من المقابلات ومهام البحث الثانوي.

واستند التقرير كذلك إلى مقابلات مع كبار التنفيذيين والممارسين والخبراء المختصين في القطاع من مختلف أنحاء المنظومة الإعلامية. وطُبّق دليل منظم للمقابلات لاستكشاف ستة مجالات رئيسية: المؤسسة والاستراتيجية، والوعي بالذكاء الاصطناعي، وتبنّيه ومستوى النضج فيه، وأثره، وحوكمته، والتوقعات المستقبلية للإعلام المدعوم بالذكاء الاصطناعي في العالم العربي.

وتناولت المقابلات الأهمية الاستراتيجية للذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات الإعلامية، والأهداف التي تدفع جهود الاستثمار فيه، ومستوى الوعي لدى فرق القيادة. وتطرقت إلى مدى نضج التبنّي، ونسبة تطبيقات سير العمل التي يُستخدم فيها، ومواطن سلسلة القيمة الإعلامية التي بلغ فيها التبنّي أعلى مستوياته، وحالات الاستخدام التي انتقلت من التجريب إلى العمليات اليومية. ورُكّز خاصةً على الذكاء الاصطناعي الوكيل، من حيث مدى اطلاع المؤسسات عليه، وتجاربها الحالية أو تطبيقاتها الفعلية له، والمواطن التي قد تتحقق فيها القيمة الأبرز عبر سلسلة القيمة الإعلامية.

وأجاب المشاركون في المقابلات عن أسئلة تتعلق بالأثر القابل للقياس للذكاء الاصطناعي وقت إجرائها، ومنها تأثيره في اقتصاديات إنتاج المحتوى وتوزيعه، وانعكاساته على الأدوار الإبداعية والتحريرية والتقنية. وتناولت المناقشات العوائق التي تحد من اتساع نطاق التبنّي، والمخاطر المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تشغل قيادات القطاع أكثر من سواها. واستكشفت أخيرًا الدور الذي يمكن لقطاع الإعلام العربي أن يؤديه في رسم ملامح الجيل التالي من الإعلام المدعوم بالذكاء الاصطناعي، والمتطلبات اللازمة لترسيخ ريادة المنطقة فيه عالميًا.

ودُرست الرؤى المستخلصة من المقابلات وإجابات الاستطلاع إلى جانب قاعدة الأدلة الأشمل، لا بمعزل عنها. وقورنت عند الحاجة وجهات النظر المجموعة من البحث الأولي ببيانات السوق وأنشطة الشركات والمستجدات التنظيمية والمعلومات المستقلة المتاحة.

البحث الثانوي

دُعم البحث الأولي بمراجعة موسعة للمصادر المتاحة للعموم والمصادر الخارجية المرخصة.

وشمل البحث في المصادر المتاحة للعموم منشورات الجهات الحكومية والتنظيمية، وإعلانات الشركات وإفصاحاتها، والتقارير السنوية، والبحوث الأكاديمية، ودراسات القطاع، والمنشورات المؤسسية، والوثائق التقنية، والتغطيات الصادرة عن وسائل إعلام عريقة. ورُكّز خاصةً على المصادر الأولية الموثوقة حيث توفرت، ومنها الحكومات والجهات التنظيمية والشركات ومزودو التكنولوجيا والمؤسسات البحثية.

وتضمن البحث بيانات سوقية حُصل عليها بموجب تراخيص مدفوعة، لدعم تقدير حجم السوق وتوقعات النمو وسائر التحليلات الكمية، حيث لم تتوفر بيانات عامة متماسكة بالقدر الكافي. وقورنت المصادر حيثما أمكن لتقييم اتساقها، والتعريفات التي تستند إليها، ونطاق تغطيتها الجغرافية، والاختلافات المنهجية بينها.

وقُيّمت الأدلة بحسب مصداقيتها ومدى صلتها وحداثتها وتماسكها منهجيًا. وسعى فريق البحث في الدعاوى الجوهرية الواردة في التقرير إلى تتبع المعلومات وصولًا إلى مصدرها الأصلي حيثما أمكن. وروجعت المعلومات المرتبطة بإطار زمني محدود في ضوء أحدث الأدلة المتاحة قبل النشر، وتُحقّق من النتائج المهمة بمقارنتها عبر مصادر متعددة عند اللزوم.

البحث وتطوير المحتوى بمساعدة الذكاء الاصطناعي

وُظّف الذكاء الاصطناعي في مراحل إعداد التقرير كلها أداةً لتسريع البحث ودعم التحليل، لا مصدرًا مستقلًا للمعلومات والأدلة.

وقدّم الدعم لفريق البحث في توسيع نطاق الاستفسارات البحثية، وتحديد المصادر المحتملة الصلة بموضوع التقرير، وإبراز دراسات الحالة ومجموعات البيانات والمنشورات التي قد يتعذر العثور عليها بأساليب البحث التقليدية وحدها. وقد برزت أهمية هذا الدعم لاتساع نطاق المستجدات ووتيرتها في مجالات الذكاء الاصطناعي والإعلام واللوائح التنظيمية والتكنولوجيا، وللحاجة إلى دراسة المستجدات عبر دول وقطاعات إعلامية متعددة.

ووُظّف كذلك في دعم مراجعة المواد البحثية وتنظيمها: تلخيص الوثائق المطولة، ومقارنة المعلومات بين المصادر، وتحديد الموضوعات المتكررة، وتنظيم الأدلة، والمعاونة على تلخيص أحجام كبيرة من المادة البحثية. وأسهم في مرحلة تطوير المحتوى في إعداد المسودات وإعادة هيكلة النص وتحسين اللغة، بما عزز كفاءة التقرير وصياغته السردية المتسقة.

غير أن مخرجات الذكاء الاصطناعي لم تُصنّف مصادرَ ولا أدلةً؛ فقد تولى الباحثون المراجعة المباشرة للمصادر التي عُثر عليها بمساعدته قبل استخدام محتواها، وتحققوا من الدعاوى المتعلقة بوقائع جوهرية بالرجوع إلى المصدر الأساسي. وتولى فريق البحث تقييم مصداقية الأدلة ومدى ارتباطها وتفسيرها المناسب، ثم خضع المحتوى المعدّ بمساعدة الذكاء الاصطناعي لمراجعة الباحثين ونقدهم وتحريرهم قبل إدراجه في التقرير.

وبذلك ظل فريق البحث مسؤولًا عن تحديد الأدلة المتماسكة المحكمة بالقدر الكافي لإدراجها، ومعالجة أوجه عدم الاتساق بين المصادر، وتفسير النتائج في سياق القطاع الأشمل، وتحديد الاستنتاجات المعروضة في التقرير.

التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

تعكس الخطوات المستخدمة في إعداد هذا التقرير أحد محاوره المركزية: أن الذكاء الاصطناعي يحقق القيمة الأمثل حين يعزز الخبرة البشرية لا حين يعمل بمعزل عنها.

فقد أسهم في توسيع نطاق عملية البحث وزيادة سرعتها، وأعان على العثور على مصادر وأدلة إضافية، وعلى تقليل الوقت اللازم لإتمام عدد محدود من مهام التحليل وتطوير المحتوى. وتمثلت مساهمة فريق البحث في الفهم السياقي والتقدير المهني والتقييم النقدي والمساءلة اللازمة لتحديد مدى مصداقية تلك المعلومات ودقتها وأهميتها.

وعليه تجمع المنهجية بين قابلية الذكاء الاصطناعي للتوسع وقدراته التحليلية، وبين ممارسات البحث الراسخة القائمة على التحقق من المصادر، والمقارنة بين أدلة متعددة، والاستعانة بآراء الخبراء، والإشراف التحريري البشري. ومن هذا المنطلق يشكل إعداد التقرير نفسه مثالًا عمليًا على نموذج التعاون بين الإنسان والذكاء الاصطناعي الذي يتناوله.

11.

المصادر والمراجع

  1. 01Abu Dhabi Media Office
  2. 02ACL Anthology
  3. 03Adobe
  4. 04AEON movies
  5. 05Al Jazeera Media Institute
  6. 06Arab News
  7. 07BBC
  8. 08beIN Media Group
  9. 09BroadcastPro ME
  10. 10Burson
  11. 11CAMB.AI
  12. 12Campaign Middle East
  13. 13China Anti-Corruption Agency
  14. 14Cyanite.ai
  15. 15Deloitte AI Institute
  16. 16أبحاث وتحليلات ديلويت
  17. 17Egyptian Media Production City
  18. 18ElevenLabs
  19. 19Eurisko
  20. 20European Commission
  21. 21Federation of Film Archives
  22. 22Gartner
  23. 23GDMO / Strategy&, Arab Media Outlook 2024-2028
  24. 24Google
  25. 25Gov.uk
  26. 26Government of Dubai
  27. 27Government of Dubai Media Office
  28. 28Gulf News
  29. 29IBM
  30. 30International Labour Organization
  31. 31Krafton
  32. 32Markets & Markets
  33. 33McKinsey
  34. 34National Council for the Training of Journalists
  35. 35National Library and Archives
  36. 36National Media Authority
  37. 37Nieman Lab
  38. 38NVIDIA
  39. 39OECD
  40. 40Reuters Institute
  41. 41Saudi Film Commission
  42. 42Saudi Press Agency
  43. 43Science Direct
  44. 44SDAIA
  45. 45Shikenso
  46. 46Skynews
  47. 47Statista
  48. 48The National News
  49. 49u.ae
  50. 50UAE Legislation
  51. 51UAE Media Office
  52. 52UNCCD
  53. 53UNESCO
  54. 54UNICEF
  55. 55US Copyright Office
  56. 56WAM
  57. 57World Economic Forum
  58. 589090.fm